الثلاثاء , 22 أغسطس 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
آنّا ماري شيمل
آنّا ماري شيمل

ماهر الشيال يكتب: “آنّا ماري شيمل” شَمْسُ الاسْتِشْرَاقِ المُنْصِفَةِ

في السادس والعشرين من الشهر الجاري تمر الذكرى الرابعة عشرة لرحيل المستشرقة الألمانية الدكتورة “آنّا ماري شيمل” ، تلك العالمة التي عُدت النموذج الأبرز للاستشراق المُنصف والموضوعي ، الذي أضاء للغرب كثيرا من حقائق الإسلام ؛ كما أنها تعتبر المثال الأصدق الدال على نبل المقصد ، ومحبة الحقيقة وشرف الكلمة والتجرد من الهوى المغرض ، في ظل ركام هائل من الافتراءات والأكاذيب حفلت به الكتابات الاستشراقية التي يرى بعض الباحثين أنها بدأت ” في القرن السابع الميلادي عام 749 ، في العهد الأموي حيث قام العالم النصراني يوحنا الدمشقي بدراسة الإسلام بقصد التشويه والتشكيك ، ولأجل حماية إخوانه النصارى. ومن كتبه: محاورة مع المسلم ، وإرشادات النصارى في جدل المسلمين”.

تقول الدكتورة آنّا “يكاد يكون من المستحيل في هذا العصر التعرف على الجوانب الإيجابية في الإسلام في الحياة اليومية ، لأننا نكاد نغرق في الطوفان الإعلامي الغربي ، وفي غمرة نشرات الأخبار المتتالية الموجهة إلينا بأسلوب الإعلانات التجارية ، والذين يعادون الإسلام يفعلون ذلك عن جهل به ، لأن الإنسان عدو ما يجهل”.

إن المعرفة المعمقة باللغة العربية التي بدأت “شيمل” تعلمها وهي بعد في الخامسة عشرة ، وإجادتها التامة لها جعلتها قريبة جدا من التعاطي الناجع مع ينابيع الإسلام الصافية ، والاستغراق الكامل في فيوضات المعاني الروحانية التي يزخر بها التراث الإسلامي الصوفي الذي تعقبته “شيمل” كما لم يتعقبه أحد ؛ ساعدها في ذلك إجادتها لعدد من اللغات الشرقية الأخرى كالفارسية والتركية والأوردية – تشير بعض المصادر أنها كانت تتحدث عشر لغات بطلاقة تامة ، إضافة إلى عشر لغات أخرى كانت تستطيع قراءتها وفهمها والتحدث بها على نحو مُرْض – كما أضافت إلى ذلك معرفة خبيرة بالفنون الإسلامية ، وعلى رأسها الخط العربي ، التي كانت تراه معبرا بجلاء عما تموج به اللغة العربية من دلالات رحبة يسمو بها الحرف العربي في تجلياته المتعددة نحو آفاق علوية.

ولم تكتف “شيمل” بتعرف كنوز الشعر العربي – خاصة الصوفي – لكنها حرصت على ترجمته إلى عدة لغات مع شروح وتأويلات للنصوص لا تقل روعة عنها ، مما يدل دلالة قاطعة على إحاطة تامة بطاقة النص وتدفقه الإبداعي التي كانت تراه عابرا للزمن قادرا على البقاء أنسا للنفوس إلى ما شاء الله.

ولم تكتف آنّا بذلك بل تطرقت إلى ترجمة أعمال العديد من الشعراء العرب في العصر الحديث مثل نازك الملائكة والسيّاب والبياتي والفيتوري وصلاح عبد الصبور وفدوى طوقان ودرويش وقباني وآدونيس وغيرهم ، وقد أعطت نصوص هؤلاء الشعراء أبعادا أخرى بما قدمته من تحليلات وافية أسهمت في زيادة الاهتمام بدراسة الشعر العربي في ألمانيا وعدد من دول أوروبا.

يذكر أن “آنّا ماري” قد حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة برلين عن رسالة بعنوان مكانة علماء الدين في مصر في العصور الوسطى المتأخرة ، ولم تكن قد بلغت بعد العشرين من عمرها ، وكان ذلك عام 1941 ، بينما كانت ألمانيا تغلي بجنون النازية ، والتفوق المطلق للجنس الآري ؛ ثم عملت “آنّا” بالتدريس في جامعة “ماربورج” بألمانيا حتى حصولها على درجة الدكتوراه مرة أخرى في تاريخ الأديان عام 1954 ، قبل أن تنتقل إلى العمل والإقامة بتركيا لمدة خمس سنوات اهتمت فيها اهتماما بالغا بدراسة الثقافة والتقاليد الصوفية ، وكان من ثمرة هذه الدراسة كتابها الهام “الشمس المنتصرة”عن الآثار الشعرية لمولانا جلال الدين الرومي والذي يعتبر من أهم المراجع في موضوعه.

في عام 1961 ، عادت آنّا لموطنها لتعمل بالتدريس في جامعة بون ، ثم انتقلت عام 1967 ، إلى هارفارد بالولايات المتحدة لتحصل هناك على درجة الأستاذية في الثقافة الهندية الإسلامية ، وتستمر في عملها هناك حتى بلوغها السبعين.

كما شغلت منصب مستشارة الشؤون العلمية في مجال الدراسات الإسلامية إلى جانب عملها كأستاذة للغة العربية والعلوم الإنسانية كما أشرفت على تحرير مجلة فكر وفن وهي مجلة علمية تصدر باللغة العربية عن مؤسسة “جوته” الألمانية – لمدة عشر سنوات بداية من العام 1963 ، وفي عام 1970 ، خُصِّص “لآنّا ماري” كرسي تاريخ أديان الشرق في جامعة هارفارد ، وقد حرصت في تلك الأثناء على التواجد في لندن كل صيف لتلقي المحاضرات في مؤسسة الأبحاث الإسلامية ، وجامعة كمبريدج. كما عملت مستشارة لشؤون الخط العربي (الإسلامي) بمتحف نيويورك لمدة عشر سنوات.

مثلت “آنا ماري” شيمل بما قدمته من إسهام فكري وحضاري جسرا بين الشرق والغرب ، وقد أدركت منذ البداية نقطة التماس بين الجانبين بما لا يخلق توترات لا تجدي ؛ فكان سبيلها إلى ذلك الانفتاح بموضوعية وإيجابية على الثقافة الإسلامية ، وإدراك أهمية الحوار الحضاري والتواصل الفكري مع الآخر ، والتطلع إلى التصوف كقنطرة بين الأديان والحضارات.

عملت “شيمل” على نقل صورة أمينة للإسلام إلى قطاع واسع من الغربيين ، وقعوا أسرى الآلة الجهنمية للإعلام الغربي ، والتي نعقت بكل ما هو شائن وقبيح عن الإسلام على مدار عقود ، وبرغم ما جُوبِهَت به من اتهامات عديدة ، إلا أنها لم تلتفت لذلك إذ رأت أن الغاية منه شغلها عن تحقيق رسالتها في إزالة آثار التشويه التي لحقت بالدين الإسلامي ونبيه والمسلمين ، مع علمها أن كل ذلك إنما يرجع للأطماع السياسية ، والمآرب الأيدلوجية التي لا ناقة للشعوب فيها ولا جمل ، كما أنها كانت عميقة الإدراك للآثار المدمرة التي نجمت عن تعميق شعور العداء بين الشرق والغرب.

تقول شيمل: “إن الحضارة التي سارت على سنة تحية “السلام” تمر اليوم بأطوار من الانغلاق والتصلب الفكري وتبريرية المواقف ، وإننا نجد أنفسنا اليوم إلى حد كبير أمام مظاهر صراع سياسي بحت وأيديولوجيات تستغل الإسلام كشعار وهي أبعد ما يكون عن أسس الدين وأصوله”.

لقد كانت الدكتورة “آنّا ماري” شيمل بحق شمسا منصفة للإسلام وإسهامه الحضاري والثقافي الذي أفاد العالم باسره – وسط ظلام دامس صنعه آخرون مغرضون لم يكن لهم من بغية سوى نشر الأكاذيب وإخفاء الحقائق تحقيقا لأهداف ممعنة في الغي والضلال ، وفق حسابات لا تمت للموضوعية بصلة … سلام لروحك “آنا ماري شيمل” يا سيدة التسامح والسلام.

المصدر: البديل 2/1/2017

شاهد أيضاً

المرجعان الخالصي والحيدري في لقاء مشترك

كتب – محمد الشحات: زار المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) المرجع الديني السيد …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co