السبت , 27 مايو 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
الاديب والقاص فرحات جنيدي
الاديب والقاص فرحات جنيدي

فرحات جنيدى يكتب: القوة الناعمة بين الماضي والحاضر

كان للقوة الناعمة في الماضي حضور كبير حيث استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في محاربة الاشتراكية وهزمت الاتحاد السوفيتي وفككته عن طريق ”السينما” واستغلت الفكر الديني وقامت بتجنيد مقاتلين من كل الدول الإسلامية لمحاربة الروس وهذا ما جاء في مذكرات كيسنجر وزير الخارجية الأميركي السابق ، وإذا كان تأثير القوة الناعمة في الماضي بهذا الحضور فما بالنا بها اليوم ، لقد أصبحت اليوم فاعلة ومؤثرة على نحو كبير خاصة في ظل ثورة المعلومات والاتصالات وتكنولوجيا الإعلام ، بل إن الحروب تبدأ وتنتهي أحياناً بالقوة الناعمة أي باستخدام وسائل غير عنيفة أو غير عسكرية لتحقيق الهدف ، وخصوصاً التأثير في سلوك الخصم ليتم تقويضه من الداخل ، وهذا يعني حسم المعركة بخصائص قد تفوق أحياناً استخدام القوة العسكرية ولهذا عادت امريكا مرة أخرى واستغلت الفكر الديني ونشرت الطائفية بين المسلمين ونشرت الدواعش في كل أرجاء الوطن العربي ودربتهم على استخدام العقل قبل السلاح فقامت الدواعش باستغلال حالة التراخي والفساد في الدول العربية فغزت كل بيت بالفكر عن طريق التكنولوجيا الحديثة  والسينما والدراما فاستطاعت تجنيد الآلاف من الشباب ونشرت الرعب والدمار والدم في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن ولبنان…

وكل منا يتزكر مسلسل باب الحارة الذى ظهر قبل ثورات الربيع العربى والذي حقَّقَ نجاحاً باهراً لأنه قدم خطاباً مليئاً بالوعظ الأخلاقي ولكن في قالب ممتع ، ولقد جعل مسلسل باب الحارة السوريين يحنّون لكي يعيشوا في مجتمع باب الحارة المحافظ حيث تسود الأخلاق والعادات والتقاليد والشورى وهذا كله دفع السوريين للحنين إلى ذلك المجتمع الرائع الذي كان يعيشه أسلافهم قبل أن تغزو حياتهم الماديات بأشكالها المختلفة.

كان أخطر ما احتواه المسلسل إسقاطاته الخطيرة على الواقع مثل كلامه عن ثوار الغوطة وعن إرسال السلاح إلى فلسطين ، ثم قرار رجال الحارة توجيه السلاح تجاه مستعبديهم من الفرنسيين وعملائهم كأولوية قبل إرسال السلاح لفلسطين ، وهنا دفع الكاتب المشاهدين لوضع تساؤل مهم كيف يرسل السوريين السلاح إلى فلسطين وهم أولى به لمواجهة من يحتل بلادهم؟وكأن الكاتب فتح الباب لنقاش ظاهرة المقاتلين الأجانب ومدى مشروعية الاستعانة بهم، وانحاز الكاتب ربما بسبب خلفيته اليسارية للأممية دون المحلية وما كان يدرك أن الرسالة تم تلقفها بعكس ما أراد ، وأصبحت الاستعانة بالأجانب لتحرير الأوطان مبررة ما دام أمثال “أبو جودت” الذين يستعينون بـ “الفرنساوية” ليبقوا في أماكنهم.

وكذالك الحال تم صناعة اسطورة أرطغرل بن سليمان الذى حقق 400000000 مشاهد فى اقل من شهرين ويقول البعض منا ان كاتب “ارطغول” استناداً على معلومات تاريخية محدودة ، فاقول له ان هذا الامر لا يهم فالمهم هو مدى تاثير العمل الدرامى فى الناس سواء فى الداخل او الخارج ، وعلى العموم هناك أمماً أخرى سارت على نفس الطريق ، ففي الهند تم انتاج مسلسل لنفس الغايات تقريباً اعتماد على معلومات أركيولوجية (آثارية) ، قليلة لنسج سيرة بطل الهند القومي الملك أشوك ، ان الدراما التاريخية لا يقصد بها أن تكون دروساً في التاريخ ولا أن تعلّم النّاس التاريخ ، وهذا هو الفرق الأساسي بين الأفلام الوثائقية والأفلام التعليمية والدراما التاريخية.

فالدراما التاريخية وإن كانت تستند إلى أرضية تاريخية تبني عليها الحبكة وتطورها ، إلاّ أنّ الأهم فيها هو بناء وعي المشاهد بناء ينعكس على واقعه ، من خلال تبني منظومة فكرية وأخلاقية ما ، عبر شخصيات معروفة لديّه مسبقاً وإسقاط هذه الشخصيات والأحداث على واقعه ، وكلما اقترب المسلسل التاريخي من واقع الناس وخاطب عواطفهم ، كلما كانت شعبيته أكبر وتأثيره فيهم أعمق وهو ما يؤثر في توجهاتهم السياسيّة بل وحتى أحياناً الاستهلاكية.

ومن الطبيعي أن يعمل اى تيار سياسي على تسويق رؤيته وذلك من خلال استخدام إحدى أهم وسائل القوة الناعمة ، وهي الدراما التلفزيونيّة وخصوصاً التاريخية منها ، لقدرتها على التأثير في الجمهور وتغيير توجهاته وإن توظيف القوة الناعمة في الاستراتيجية الأمريكية لم يكن وليد اللحظة كما أشرنا هذا كله ساعدها على أن تؤثر في الاخرين وتعظم من إمكانياتها على المستوى الدولي وتكون قادرة على تحقيق أهدافها دون اللجوء إلى “الإكراه” وعلمت العالم ان أدوات مكافحة الإرهاب عديدة ولعل آخرها استخدام القوة العسكرية التي يستخدمها العالم اليوم ضد داعش إذ أن العالم وصل إلى قناعة متأخرة بخطره، وفي المقابل لا بد من تطوير أدوات مكافحة الإرهاب الأكثر تأثيراً والتعريف بخطره علينا وعلى العالم الإسلامي وربما من أهم الأدوات التي يجب استخدامها هي القوة الناعمة والتي تأخذ الإعلام والإنترنت كمكونات رئيسية وأسرع تأثيراً ونفوذاً إذ إن الإرهابيين وبحسب بعض مراكز الفكر في الغرب تشير إلى استخدامهم للقوة الناعمة وتحديداً الإنترنت من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والذي بات ملحوظاً وبشكل كبير لمحاولة التجنيد والحصول على مصادر للتمويل ولتبرير ممارساتهم ، وعلى أثر ذلك لا بد من إعداد إستراتيجية وطنية للقوة الناعمة بحيث يتم تحديد الشرائح المستهدفة وطرق التأثير الأكثر ملاءمة لكل شريحة ، وفي نفس الوقت تعزيز الحضور المضاد للإرهاب عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت عموماً لتعريف العالم الإسلامي بخطورة تجنيد مثل هذه المنظمات للشباب وأثر الإرهاب على المسلمين والعالم.

وهنا ياتى السؤال هل نستطيع نحن ان نستفيد من ذلك ، بكل بساطة نعم ولنا تاريخ مشرف فى هذا الامر وهو ما قامت به القوة الناعمة ما بعد ثورة 52 حيث استغل عبدالناصر ورفاقه القوة الناعمة فى تشكيل الوعى الداخلى لشعب المصرى والعربي ونحن الان نمتلك الكثير من الادوات لكن مع الاسف لا نستفيد منها وعلى سبيل المثال يوجد في مصر 26 الف مكتبة مدرسية وهذا وفقا للاحصائية التي أعلنتها الدولة هذا بجانب مئات المكتبات الموجودة في مراكز الشباب وعلى الجانب الآخر تملك وزارة الثقافة الآلاف من قصور وبيوت الثقافة ، وفقا للأرقام التي تعلن كل يوم انه يوجد في كل مدرسة ما بين خمس إلى عشر طلاب يملكوا مواهب مختلفة في الشعر والغناء والتمثيل وكتابة القصة هذا بجانب وجود ما بين عشر إلى عشرين طالب مهتمين بالقراءة والمعرفة فقط ومن هنا يأتي السؤال ماذا لو تم التعاون بين وزارات الثقافة والتربية والتعليم والشباب والرياضة لعمل قاعدة بيانات للموهوبين وتقديم الدعم الشامل لهم وعمل ورشة تدريبية وتنموية لتلك المواهب الشابة من خلال الأنشطة الصيفية ويستمر هذا الدعم حتى ينتهي من مرحلة التعليم الثانوي ثم بعد ذلك تتولى أندية الادب مواصلة الدعم والتدريب أثناء المرحلة الجامعية وما بعدها على أن يتم مراجعة شاملة لتلك البيانات حتى يتم تقديم كل ما يلزم لتلك المواهب وكيف يتم توظفها لخدمة الدولة المصرية سيكون الناتج من ذلك مئة ألف شاب موهوب كل عام وخمسمائة ألف شاب مثقف كل عام ولو تم ذلك سنصل إلى مليون مبدع كل عشر سنوات وعشرين مليون مثقف..

إذا تم ذلك لن يجد الدواعش أو أعداء الوطن بشكل عام طريقا لغزو مصر ونشر الأفكار المتطرفة بل نستطيع بهؤلاء الشباب أن نكون جيش عملاق من العقول نستطيع بهم ان نتحدى العالم وما فعلته أمريكا اليوم اكبر شاهد حيث استغلت العقل ووجهت ضربة قاسية للعالم كله عن طريق توجيه فيروس الكترونى ضرب 99 دولة من أكبر دول العالم واحدث شللا في أكبر مؤسساتها ، أمريكا تملك القوة العسكرية لكنها تقول للعالم أن استخدام العقل اقوى الف مرة من استخدام السلاح وان أمريكا أصبحت سيدة العالم بعقول أبنائها ليس بالسلاح والتاريخ خير شاهد..

شاهد أيضاً

أنور ساطع أصفري يكتب: مقوّمات المجتمع المدني .. مخاطر عديدة تُهدّد المشروع العربي

  ثمة مخاطر عديدة داخلية وخارجية تُهدد المشروع العربي ، وخاصّةً بعد تحديات جدّية فرضتها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co