السبت , 27 مايو 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

رضي فاهم الكندي يكتب: شريعتي ليس معصومًا .. قراءة متوازنة

بقلمي المكسور

كم أحب هذه العبارة لأنها تجعلك في مواجهة تقييم الحقيقة بتجرد عن مسمياتها ، وفي نفس الوقت تنمي فيك قدرتك على إنصاف الآخرين من نفسك ، من حيث أن اختراق ملكة العصمة للآخرين بآرائك النقدية لايعني التعدي على شخصيتهم ، وهذه أكبر مشكلة يقع فيها القاريء حينما ينطلق في تقييم الأفكار من منطلقات شخصية.

شريعتي منح القاريء الكريم فرصة كافيةً لتقييمه بقدر ما أثرى فكرنا بآرائه ، وبقدر انسجامنا أو عدم انسجامنا معه لايوجد عذر لقراءة فكر الرجل من خلف الكواليس ، كما أن هذا لا يعني الانسياق خلف كل ما يطرح من أفكار ، وإنما هي منهجية وسطية في القراءة ، نلمسها بوضوح في قول الإمام الحسن (عليه السلام): (دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك) في ظل هذه النظرة التي تقيم الآخر باعتباره قابلا للجيد والرديء في ما يطرح يحضر اختيار ثالث يدلنا عليه الإمام أن ما ينفعنا وما يمكننا أن نوظفه في ارتقاء فكرنا نتمسك به ونتجاوز ما دون ذلك ونطرحه لا أن نقف عند هذه النقطة المشكوك فيها فنحرم أنفسنا ما ثبت لنا نفعه ، إنها نظرة عادلة متوازية في قراءتنا للفكر أيما كان توجهه ، كما أنها تتجاوز شخصنة الأفكار وتخلص نفسها للفكرة فحسب بغض النظر عن انتمائها وبيئتها ، وهذا عين ما عبر عنه الإمام الصادق (عليه السلام) حين قال: (خذ الحكمة من أهل الباطل) بمعنى لا يحملكم اختلافكم مع من تختلفون معه في المنهج أو العقيدة أو المبدأ حتى بأن تُحرَموا من منفعة لعلها تكون بين ثنايا هذه الأفكار أغفلتموها سهوا أو عن قصد ، هي إذن قراءة متوازية ترفض العصمة والذوبان في الفكر وكذلك تأبى التفريط المطلق ، وهذا ما ينبغي أن ننتهجه في تعاملنا مع أفكار الدكتور علي شريعتي وغيره.

وقد وجدنا أن هناك من يوافقنا في هذه المنهجية من العلماء بما يؤيد هذا الطرح ومنهم سماحة الأستاذ حيدر حب الله الأستاذ في الحوزة العلمية حيث يقول في هذا الشأن: (اليوم نحن بحاجة إلى إعادة قراءة شريعتي ؛ لكن ليس لتوظيفه سياسيًا ضد أحد ، بل لاستخلاص العبر من تجربته في نقاط قوّتها وضعفها ، وهذا ما يستدعي توازناً في مطالعة الرجل ، لا ينحو منحى التبجيل ولا يتجه ناحية التفسيق والتضليل ، علّنا بذلك – سيما مع تطور الدرس الديني اليوم – نستفيد من التراث بدل أن نستنسخه بحرفيته) مجلة نصوص معاصرة – العدد العاشر.

هناك من يوظف أفكار شريعتي التي قيلت في زمان ومكان ما ضد المؤسسة الدينية لينتقل بذلك إلى تسقيط شامل لها ليصفو له الجو ويتسيد الموقف ، وهذا برأيي القاصر إجراء غير صحيح فهناك من الجهود الطيبة ما ترفع لها القبعة وتتطأطىء لها الرؤوس إجلالا وإعظاما لهذا الإنتاج القيم طيلة ألف سنة ، كما أنه هذا التبجيل لا يعني بصحة كل ما يصدر منها ، لأن نقد شريعتي للمؤسسة الدينية آنذاك كونه لمس منها عدم قدرتها على التعاطي بواقعية مع حاجة الشباب إلى الدين الذي ينقذها من ظلم الشاه وإنما راحت تستغرق به في غياهب الغيب والمقامات النورانية بعيدا عن الحاجة الماسة إلى تفعيله في وعي الأمة ، والإسلام فيه من المقومات ما يؤيد ذلك لأنه دين الحياة ، أما إسقاط هذه التجربة على واقعنا المعاصر للنيل من جهة وإبعادها عن المعترك الحياتي فهذا توظيف سيء لأفكار شريعتي وهو ما نرفضه جملة وتفصيلا ، فالقراءة المتوازنة هي موضع اختبار لنفوسنا وعقولنا.

النموذج الثاني هو ما طرحه سماحة الشيخ محمد اليعقوبي (حيث دعا الشباب الرسالي إلى قراءة كتب المفكرين أمثال الشهيد شريعتي ومطهري والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم من المفكرين لا ليستنسخوا أفكارهم ورؤاهم فإنهم كتبوا في زمان غير زماننا وإنما لكي نستفيد من مناهجهم في تشخيص المشكلات وعلاجها) من كلمة بعنوان توجيه إلى الشباب الرسالي ليأخذوا دورهم في العمل الرسالي – لقاء مع أهالي الشطرة.

وهنا تركز هذه القراءة المتوازية على المنهجية التي اتبعها شريعتي في تعاطيه مع المشاكل التي رميت في طريق الإسلام أكثر من تركيزه على نفس مفردات تلك الأفكار ، وملخص هذه المنهجية في أمرين:

الأول: إحياء الإسلام في النفوس ، ولعل طامتنا الكبرى اليوم أن جل الشبهات التي تثار على الإسلام تنطلق من عدم القدرة على التوفيق بين أطروحة الإسلام النظري والإسلام العملي ، وحل هذه الإشكالية في القدرة على إقناع أبناء الإسلام أولا بتوافر العوامل التي تمكنه على تجاوز هذه الإشكالية عبر تطبيقه في الواقع ، وهذا ما فعله شريعتي فيحنما أثيرت الشبهات من قبل الشيوعيين والماركسيين على الإسلام ألف كتاب (الإسلام و المذاهب الغربية) وكتاب (الإنسان بين الإسلام والماركسية) حيث طرح فيه النقاط الجوهرية بين الرؤية الإنسانية في الإسلام والرؤية المادية له عند الماركسية انتقدها انتقادا موضوعيا وكتاب (العودة إلى الذات) وهي الذات الإسلامية الأصيلة لا الذات المستغربة المنبهرة بكل ما يفد من الغرب ، وكتاب (المنهج الصحيح للتعرف على الإسلام) وغيرها ، وزاد من تأثير ما طرحه شريعتي في كتبه أنه واجه به جمهوره المتحمس والمتعطش لسماع كل جديد يعزز فيه الأمل بقدرة الإسلام على كل ما فيه خير لإسعاد الإنسان ولم يكتف بالتنظير فحسب.

الثاني: تحديد الوظائف والمسؤوليات: هنا يمهد شريعتي للتحول من التنظير إلى التطبيق بصورة أوضح ، فلكي تزداد النفوس قناعة بالإسلام دينا مواكبا لكل العصور لابد أن يضع الحلول التي تعوق من تقدمه في إشكاليات جمة على مستوى إدارة الحياة  والاستيعاب و تقديم الحلول الناجعة ، وقوام الحل لهذه المشاكل هو تفعيل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وعي الأمة ، وهذا الأمر لن يتم مالم يزداد الوعي بأهميتها ودورها ، وهنا راح شريعتي يؤلف (مسؤولية المثقف) (مسؤولية المرأة) (أمي أبي نحن متهمون) وغيرها من الكتب التي تندرج في هذا الإطار.

وهذا هو عين ما نحتاج إليه وهو أن نرتقي بوعي الأمة إلى الدرجة التي تحرص على دينها عن قناعة لا عن سذاجة وخرافة لكي لا تترك الإسلام وحيدا تحت أعذار واهية يعاني في أول منازلة له مع الاستبداد والطبقية والرجعية ، والطريق إلى هذا المضمار هو القراءة والمعرفة لا بمعنى التسليم بكل ما نقرأ ولا بمعنى رفض الفكر الآخر وإن كان صحيحا لأنه لا ينسجم مع متبنياتنا على الرغم من وجود أفكار صحيحة أخرى وإنما لنأخذ ما ينفعنا وندع ما لا خير فيه تطبيقا لمقولة (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وهذا هو منطق العقلاء.

شاهد أيضاً

أنور ساطع أصفري يكتب: مقوّمات المجتمع المدني .. مخاطر عديدة تُهدّد المشروع العربي

  ثمة مخاطر عديدة داخلية وخارجية تُهدد المشروع العربي ، وخاصّةً بعد تحديات جدّية فرضتها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co