الأحد , 22 يناير 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
رضي فاهم الكندي

رضي فاهم الكندي يكتب: بين أزمة الثقافة و المثقف .. الوطن يعيش غربته 

الاختلاف والتنوع سمة العقل الإنساني في منتوجه الفكري والحضاري ؛ فمهما شرقنا أو غربنا صعودا إلى الملأ الأعلى أو إلى تخوم الأرض السابعة لن  نجد إثنين تساويا في كل شيء ، فمهما يكن الاتفاق في وجهات النظر بين من ينتمون إلى دين واحد أو طائفة واحدة أو مرجعيةٍ واحدة أو حزب واحد أو غيرها من الانتماءات فإن الزمن كفيل بكشف أوراقهم ، ليتبين بعد ذلك الرشد من الغي وتتضح نقاط الوئام والاختلاف بينهم .

لأجل هذا فإن الذي عندي ومقتنع به ليس من الضرورة أن يؤمن به الآخر أو يذعن له ، لأن الشخصية الإنسانية تمتاز بمميزات ترتفع فيها نسبة الإنسانية أو تنخفض بحسب الثقافة والوعي ، الأمر الذي ينعكس على تغير القناعات و تنوع المؤثرات المتحكمة فيها والموجهة لها .

وبطبيعة الحال إن هذا التنوع والاختلاف فكريا وثقافيا لهو عامل أساسي في رقي الإنسان حضاريًا ، باعتبار أن الكمال لله وحده ويسعى المخلوق دائما ليلتحق بركب العظماء ، وهذا ما يجعله محتاجًا إلى الآخرين ، ولاسيما في تلاقح الأفكار ، فما أمتلكه من مقومات المعرفة ليس بالضرورة أن يسعفني في إكمال مسيرة الرقي المعرفي الذي أطمح إليه ، وبذلك يعد الانفتاح على الآخر ضرورة حضارية ملحة لاستيعاب الطموح الإنساني نحو الارتقاء في سلم الكمال .

إذا كان الأمر هكذا فإن التقاطع مع الآخر الذي نختلف معه في الفكرة من حيث المولد والنشأة والنتائج الآثار المترتبة عليها لهو الخسارة الكبرى ليس على مستوى الأفراد وإنما على مستوى المجتمعات ، وتتجلى خطورة الموقف حينما يتحول هذا السلوك الفردي إلى منهج مجتمعي أو ظاهرة اجتماعية ملازم للوعي في مساحة العمل ، وعما قريب يصبح من أعراف الحضارة ، من هنا تبدأ الكارثة بكل ما تحمل من معنى ، لأن هذا التقاطع لايلبث أن ينتج مجموعة من الدوائر التي تبدأ صغيرة ثم تنمو حول نفسها لتستحيل مفهوما انعزاليا عن الفكر الآخر الذي نختلف معه ثم يستفحل أمرها ليصبح وعي الفرد في ظلها مفهوما انغلاقيا ، ليحكم أخيرًا بصحة آرائه فحسب  وضلالة كل ما يفرزه الفكر الآخر ،  وتستفرد بنا الأفكار التي تدعو إلى الإنعزال والوحدة والتباعد والتناحر والتقاطع ويغدو شعار الجميع  ( كل ما يرتبط بنا أو نرتبط به هو الصحيح فحسب وكل ما يصدر من الآخر فهو خطأ بالضرورة ).

في حين أن الراجح في هذا الإطار أن ننفتح على الآخر ونحاوره ونركز على النقاط المشتركة معه ، فننطلق من كلمة سواء ، ولا أحسب أن من نختلف معه أشد قبحا وضلالة من الشيطان الذي أبلس من رحمة الله تعالى ، وعلى الرغم من ذلك فإن الحق تعالى حاوره وأطال معه الحديث ليستجلي مكامن نيته وطموحه ، لا لأجل هدايته وإن كان ذلك ليس أمرا مستحيلا وإنما ليؤسس لمنهجية الحوار والابتعاد عن التقاطع فضلا على أن يلقي الحجة عليه وهو أمر راجح ومهم .

ولو تأملنا جيدا في أسباب هذه الأزمة سنجدها هي بين أن تكون أزمة ثقافة أو أزمة مثقف ، فهل عجز وادي الأنبياء مرفأ الحضارات عن إنتاج المثقف الواعي الذي يتجاوز ذاته في أحلك الظروف التي يصارعها ويتغافل ويغض الطرف عن عناصر الاختلاف ، أم أنه لا يتنازل عن بعض الخصوصيات التي يتوهم أنها تشكل ذاته ليكون في ظلها عاملاً أساسيا في إنتاج الأزمات وصناعة هويتها وتفاقم آثارها واتساع دائرتها؟؟

أم هي الثقافة التي باتت غريبة عن هويتها تبحث عن ذاتها فما تكاد تجدها حتى تلفظ أنفاسها ، لتقوم باستجداء الخواء من بين أحضان حضيرة التغريب ، وليبقى مسلسل الطعن وعدم الثقة بالآخر هو العنوان الأبرز في مماحكاتنا الثقافية ؟؟

يبدو أن الثقافة العراقية أقرب ما تكون ثقافة صراعات منها إلى ثقافة إئتلاف ووئام  ، لأننا نعيش خارج حدود الوطن وخارج إطار الإنتماء إلى الهوية الأصيلة ، و الوطن في ظل هذه الإرهاصات غريب في ثقافتنا يبحث عمن يداوي جراحه ، وليعلم الجميع أن الخاسر الأكبر في كل أزمة مهما كانت أسبابها هو الوطن أولا وآخرًا ولات حين ندم .

شاهد أيضاً

د.عبد الرضا البهادلي يكتب: في رحاب التفسير(22)

قال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co