الجمعة , 28 أبريل 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

د. مصطفى يوسف اللداوي يكتب: فادي قنبر يدمي قلوب الإسرائيليين

فرح العدو الإسرائيلي إذ انقضت احتفالات رأس السنة الميلادية بخيرٍ وسلامٍ ، وأمنٍ واطمئنان ، ولم يعكر صفو احتفالاتهم أحد ، ولم ينغص عليهم فرحهم آخر ، فأحيوا ليلة رأس الميلاد بصخبٍ ومجونٍ ، وفرح وفنونٍ ، وواصلوا السهر بعدها في الملاهي والكازينوهات ، وقد اطمئنوا إلى يقظة أمنهم ، وجاهزية جيشهم ، وحسن تقدير أجهزتهم ، وحكمة قادتهم وقدرتهم على ضبط الأمن وسلامة المواطنين ، وكانوا قد تباهوا أمام دول العالم بأمن كيانهم ، وسلامة مرافقهم ، ومتعة احتفالاتهم،وأعلنوا جاهزية فنادقهم لاستقبال السياح ، واستعداد ملاهيهم ودور السهر الكبيرة لإحياء أجمل الحفلات ودعوة أشهر المطربين والمطربات ، وأجمل الراقصات والاستعراضيات ، في الوقت الذي طغى الخوف والقلق على كبريات العواصم الدولية.

فجاءهم فادي قنبر من مكانٍ آخر ، ومن زاويةٍ مختلفة ، ظنوا أنها الأكثر أماناً والأشد تحصيناً ، والأبعد عن المخاطر،فاجتمعوا فيها ، وتحلقوا حولها ، ولكنه كان يتربص بهم وينتظر ، ويخطط لهم ويدبر لمهاجمتهم ، وهو الفلسطيني المقدسي المسكون بالثورة ، والحالم بالحرية ، الموجوع المتألم ، الحزين الباكي على ما أصاب مدينته ، وما حل بأهله وشعبه ، وما يدبر لمسجده ويخطط لأقصاه ، فقرر أن يهاجم رمز القوة، وعنوان الصلف والكبرياء ، فاقتحم الجنود ببزاتهم،وعلى أكتافهم بنادقهم ورتبهم ، وعلى صدورهم نياشينهم ، وأراد أن يصيب بعمليته قلب جيشهم ، ومحط اعتزازهم،ليمزق الصورة التي بها يخيفون الآخرين ، وليطفئ الهالة التي بها يعتقدون أنهم الأقوى والأكثر تفوقاً ، فحصد بشاحنته الكثير،وداست عجلاته الآخرين ، وما زال غبارها الذي بلم ينقشع يحبس أنفاسهم ، ويحشرج أرواحهم ويرجف قلوبهم خوفاً وفزعاً.

لم يكتفِ فادي بأن يدهمهم مرةً واحدة ، وأن يدهسهم بمقدمة شاحنته ، بل ارتد عليهم راجعاً ، وكر عليهم ثانيةً لينال منهم أكثر ، وليصيب بشاحنته التي باتت شاحنة الانتفاضة من ظن منهم أنه فرَّ ونجا ، أو أنه سلم وعاش ، وقد كان يعلم أنه غير ناجٍ من سلاحهم ، وأن آخرين من بعيد سيمطرونه بطلقاتهم ، وسيعدمونه رمياً برصاصهم ، حاله كحال كل الشهداء السابقين، ولكنه ما كان يخشى هذا المصير ، ولم يتجنب وقوعه ، بل كرَّ عليهم من جديدٍ بعزمٍ وقوةٍ واندفاعٍ قبل أن ينالوا منه،وتصيبه رصاصاتهم القاتلة ، ولو قُدِّر له أن يكر عليهم الثالثة فما كان ليتردد ، ولكن الشهادة كانت بانتظاره ، وأهازيج الفرح كانت تطرب آذانه وتفرح قلبه.

هم ينكرون علينا أننا نقاومهم ونقاتلهم، وأننا نفكر في كل السبل للنيل منهم ، بينما هم لا ينكرون على أنفسهم جرائمهم ضدنا ، ولا اعتداءاتهم علينا ، إذ قبل عملية شاحنة القدس بأيام ، برأت محاكمهم العسكرية قاتل الشهيد عبد الفتاح الشريف ، ولم توجه له تهمة القتل العمد ، وإن كانت قد دانت استخدامه للقوة المفرطة ، بينما شهد العالم كله على الجريمة التي اقترفها هذا الجندي ، الذي أطلق النار على الشريف بينما كان على الأرض ملقىً ، لا يشكل خطراً على أحد ، ولا يحمل بين يديه سكيناً أو سلاحاً يهدد به حياتهم ، ولكن هذا الجندي الذي قرأ الموافقة في عيني الضابط الذي يقف إلى جواره ، أطلق عليه النار وقتله ، ثم جاءت المحكمة العسكرية فبرأته ، وانبرى رفاقه في الجيش للدفاع عنه والوقوف إلى جانبه وتأييده في جريمته.

ماذا أبقى لنا العدو حتى لا نقاومه ، وما الذي لم يستهدفه فينا حتى لا نقاتله ، وعلام نسالمه ونؤَمِّنه ، ونخدمه ونساعده ، أم أنه يظن أن هذا الشعب قد استخذى وألقى سلاحه ، وأنه قد استنوق في مواجهته ، وأصبح كالحمل في مقارعته ، فما ارتكبه بحقنا ، وما سلبه من أرضنا ، وما اقترفه من جرائم في حق أبنائنا ومقدساتنا ، كافي لأن نقاتله بأيدينا ، وأن نمزقه بأظافرنا ، وأن نركله بأقدامنا ، وأن نستخدم ضده كل سلاحٍ ممكن ، وأن نلجأ إلى كل وسيلةٍ ناجعة لقتاله ومقاومته ، ولعل ما نقوم به اليوم هو فعل الشرفاء ، وسبيل الكرماء ، وطريق الأعزاء ، ومنهج الأحرار ، وعليه تحترمنا الأمم وتؤيدنا الشعوب ،وتتأسى بنا الثورات ، إذ ما عرفت البشرية شعوباً احتلت أرضها وتخاذلت ، وأهينت شعوبها وفرطت ، ونهبت خيراتها وسكتت،وديست كرامتها ولوثت مقدساتها وقبلت.

ظنوا أن الشعب الفلسطيني قد استمرأ الذل ، ورضي بالهوان ، وقَبِلَ بالاحتلال ، وعض على الجرح واستكان على الحال،عجزاً وضعفاً، وخوراً وقلة حيلة ، وخضع للأمر الواقع واستسلم لقوة الاحتلال ، وأقر بتفوقه وجبروته ، وحصانته ومنعته ، وصعوبة اختراق أمنه أو تجاوز تحصيناته والنيل منه ، ولم يعد يتطلع إلى التغيير ، ولا ترنو عيونه إلى الحرية،وأنه تعب ومل ، ويأس وقنط ، وجزع وخاف ، وقلق واضطرب ، ولم يعد يسعى للقتال ولا يستعد للمقاومة ، وبات ينأى بنفسه عن المقاومين ويتخلى عنهم ، بعد أن أوجعه العدو قتلاً واعتقالاً ، وتدميراً وحصاراً ، ومصادرةً وعقاباً ، وبعد أن ضيق عليه الخناق بالمعابر والحواجز ، وبالجدر والبوابات ، وبالإجراءات الأمنية والحملات العسكرية ، وبالتنسيق والاختراق.

اطمأنَ بال سلطات الاحتلال إلى سلامة إجراءاتهم ، ودقة تحليلاتهم ، وصوابية استنتاجاتهم ، بأن الشعب الفلسطيني قد عقر حصانه ، وثلم سيفه ، وساخت في الأرض أقدامه فلن ينهض لمقاومتهم ولن يثور ، ولن يغضب ولن ينتفض ، ولن يطلق النار ولن يفجر العبوات ، ولن يقنص ولن يقذف بالحجارة ، ولن يطعن ولن يدهس ، ولن يقاوم ولن يعاند ، فقد بات وحيداً ضعيفاً، يفتقر إلى النصير ويشكو من الجار والقريب.

اليوم يبكى رجالهم ، وتنتحب نساؤهم ، ويدخل الحزن إلى بيوتهم ، ويسكن الأسى قلوبهم ، ويلون السواد ثيابهم ويطغى عليهم في حياتهم ، ويذوقون من كأس المر قليلاً ، ويتجرعون من الهوان شيئاً ، وإن كان ما أصابهم لا يرضي الفلسطينيين ولا يشفي غليلهم ، ولا يعوضهم عن فواجع مصائبهم ، وعظيم من فقدوا ، وكثير ما خسروا ، ولكن حسبهم أنهم يقاومون بثبات، ويواجهون بصمود، ويتحدون بأمل، ويقاتلون لهدف، ويسعون لغايةٍ عظيمةٍ ، يجعلهم لا يتوقفون عند حد ، ولا يقفون أمام سدٍ ، حتى يصلوا إلى غايتهم ، وينقذوا قضيتهم ، ويحرروا من العدو وطنهم ، ويعودوا بعزةٍ وكرامةٍ إلى ديارهم.

شاهد أيضاً

د. محمود المناعي يكتب: “حب” في “القصرين “

    ليس كل ما نشعر به من احساس بالحب يكون احساس حقيقي، ولكن بعض …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co