الخميس , 17 أغسطس 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

د. إسلام بحيرى يكتب: النبى فى كتب الحديث

>> قالوا إن النبى صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودى مقابل الطعام

>> الدكتور مصطفى محمود أبرز العلماء الذين رفضوا هذه الرواية ورأوا أن حديثها مكذوب

>> استحالة تصور رهن الرسول درعه عند يهودى بدلاً من التعامل مع أغنياء الصحابة

>> الفقهاء ينسبون للنبى روايات كثيرة بداعى بشريته .. فينسبون له الخطأ

>> كان النبى يوصى دوماً ويؤكد ديانة وقضاء على تسديد الديْن من المدين الذى ظن أنه فى مرض الموت.. فكيف يموت وعليه دين؟

لم تكن الإشكالية مع التراث تتمثل أو تتأطر فقط فى إشكالية التنقيح ، ولكن التصور يتعدى ذلك لمرحلة الإشكالية التعريفية ، أو إشكالية المنهج ذاته ، فالتراث كلمة مطاطية تحمل كل صنوف الإرث الثقافى الإسلامى دون القرآن ، ولكن هذا التراث على اختلاف درجاته ومناهجه وتتابع عصوره كان من المفترض أن يصور بدقة الجوانب الغائمة والغائبة عن التصور الأمثل للمجتمع النبوى ، حيث يمثل مجتمع التشريع ، ومن هنا نشأت الإشكالية ، لأن الاعتناء بالنصوص القادمة من العصر النبوى – نصوص السنة النبوية – وهى المصدر الثانى للتشريع فى الإسلام شابها بعض الشوائب بعيداً عن النصوص الحاوية لأصول العقيدة والعبادة ، ما يجعل تلمس الصحيح من السقيم منها هو عين المرامى والغايات لأى مشروع تنقيح ، حيث ظهرت الأزمة مع بزوغ النصوص المضافة ، وهى النصوص التى تعطى تصورا شائها ومضطربا وقلقا عن المجتمع النبوى بكل تصوراته بما فيه تصور شخص النبى المصطفى وحياته صلى الله عليه وسلم ، وبذلك خلق التراثيون الأزمة لأنفسهم بأنفسهم ثم ما لبثوا فى محاولات حلها التى لم ولن تفلح.

إذن الإشكالية مع التراث تراتبية ، إشكالية منهج إثبات وتحقق من صحة الروايات وقبولها بعيداً عن تقديس من قالها ومن نقلها ، ثم إشكالية تصور النتائج المترتبة على هذه الروايات المضطربة ، لذا فإن كل محاولاتنا تعنى فى الأساس بتصحيح المنهج التراثى فى النقل ، ومن ثم تنقيح التصور المترتب عليه.

وفى هذا الاتجاه تأتى مناقشة الرواية التى نحن بصددها والتى أخرجها البخارى وغيره ، رواية درع النبى التى توفى عنها وهى مرهونة عند يهودى مقابل الطعام ، وقد نالت هذه الرواية منالها من الرفض والرد عند كثير المعاصرين مثل الدكتور مصطفى محمود الذى قال: «هذا الحديث مكذوب» ونقله الدكتور القرضاوى – “فتاوى معاصرة 3 – 234.

وقد تركزت غالبية الردود المعاصرة على استحالة التصور العقلى أن يترك الإله سبحانه وتعالى نبيه ليستدين من يهودى ويموت عن ديْنه ذلك ، وكذا استحالة تصور رهن الرسول لدرعه عند يهودى بدلا من التعامل فى ذلك مع مياسير – أغنياء – الصحابة ، وكل تلك التصورات من المعاصرين لا شك أنها عين الصواب والعقل ، ففى القانون الوضعى مثلا هناك دفع شهير يتقدم به المحامون يطلقون عليه «استحالة تصور الواقعة» ، وهو دفع عقلى هام إذا ما أيدته الأدلة قد يؤدى إلى براءة المتهم ، كمثل لو أن متهما بالقتل رجل فى الثمانين من العمر ، وقيل فى تصور الجريمة إنه مثلا تسلق جبلا فى دقيقتين فقط لينجز جريمته ، هنا تثور استحالة تصور الجريمة.

وهذا هو ما دفع الدكتور مصطفى محمود وغيره إلى رفض الرواية كلها وكثير قبلهم من كبار المتصوفة الذين أنكرت قلوبهم دون ألسنتهم تلك الرواية.

ولكن المشكلة مع التراثيين تتخطى مرحلة الرد العقلى والمنطقى للروايات ، فالإشكالية ذاتها تطل برأسها مرة أخرى ، فالتراثيون أدلجوا – من الأيدولوجية – أدمغة وعقول المسلمين على المنهج الذى ذكرناه فى التقدمة ، نهج عصمة بعض البشر من أى زلل ، منهج «أخرجه البخارى» ثم يعقبه صمت مطبق فترفع الأقلام وتجف الصحف.

والمفجع الصادم فى هذا المنهج أن ذات القوم من المحدثين والفقهاء على سواء ينسبون للنبى صلوات الله عليه فى روايات كثيرة – بداعى بشريته – ينسبون له الخطأ العارض فى الفعل والقول ، بل ينسبون له إمكانية الخطأ فى وحى القرآن ذاته والزيادة عليه بكلام فيه عبادة للصنم وإطراء وثناء على اللات والعزى وهى الحادثة المعروفة بـ «الغرانيق» والتى قواها ودافع عنها «ابن حجر» وكثير من رجال الحديث ، رغم أنها تهلك الدين والعقيدة من المنبع للمصب ، كما ينسبون للنبى النسيان والسهو والغضب وكل عوارض البشر ، ولكن البهت والإفك الأثيم يجعلهم فى ذات الوقت لا يقبلون أن ينسب لبشر عادى مثل «البخارى» وهو لا ريب مما دون الرسول والصحابة بل دون كثير دونهم ، يرفضون أن ينسب له الخطأ العمد أو غير العمد ، يرفضون أن ينسب له النسيان ، يرفضون أن ينسب له السهو ، يرفضون أن ينسب له الخطأ فى النقل بقصد أو بغير قصد ، وفى ذات الوقت يقبلون ذلك على إمام المرسلين ويقولون إن النبى بشر ، فكيف بأناس يقبلون أن يخطئ النبى بزعمهم فى آيات القرآن النازلة من السماء ، ولا يقبلون أن يخطئ البخارى فى نقل الروايات الصاعدة من الأرض ، فسبحان من وهب نعمة العقل لمن شاء وحرَّمها على من شاء.

ولهذا فإننا سنفند علل الرواية متنا – نصاً – حيث سيغنينا ذلك عن تفنيد السند كما هى العادة ، لأن فى المتن عللا كافية لتبين عوار النص وضعفه.

الرواية بلفظ البخارى: «حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلاثِينَ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ» “البخارى 4467 -2916.

أولاً: العلة الظاهرة الأولى فى متن – نص – الحديث ، التى لا تكاد تخطئها الأعين ، هى صيغة التنكير – بدون الألف واللام – فى إيراد لفظ «يهودى» والتى تنبئ أنه واحد من عدد كثير ، ففى اللغة العربية لو قلنا مثلا فى إحدى بلاد الخليج أن رجلا قال: اشتريت سيارة من «مصرى» لكان ذلك بناء لغويا مستقيما لأن المصريين فى الخليج ما أكثر تواجدهم ، ولذلك فإن تنكير الوصف يعبر عن كثرة العدد ، أما لو قلنا مثلا إن الخليج لم يصبح به تواجد للمصريين وتبقى فيه مصرى واحد لكانت الجملة بذلك لا تستقيم بالتنكير ولكان البناء الصحيح للجملة ، اشتريت سيارة من «المصرى» لأن التعريف دل على أنه المصرى الوحيد فلا داعى حتى لذكر اسمه.

فإذا عدنا للنص المشكل لوجدناه بلفظه الموقوف على أم المؤمنين عائشة ، يقول: «وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِىٍّ» ، إذن نحن أمام جملة عربية صحيحة تعبر عن وجود يهودى كرقم من أرقام كثيرة وتعداد وافر لليهود فى المدينة ، كما كان الحال فى بدايات الهجرة ، وتلك هى علة النص الأولى.

لأن القرآن والنصوص الصحيحة والتاريخ المرقوم تؤكد أن اليهود فى السنة الحادية عشرة من الهجرة ، وهى سنة انتقال المصطفى إلى رفيقه الأعلى ، لم يكن لهم فى المدينة عين ولا أثر.

فلا شك أنه فى بداية الهجرة كان اليهود يملكون مقادير التجارة والزراعة والصياغة فى المدينة ، وكان النبى قبل إظهارهم الغدر يعاملهم ماديا وتجاريا ، ثم بدأت النصوص تحدثنا عن إجلاء على مراحل عدة لليهود حتى الجلاء النهائى من المدينة – يثرب – وبدأت هذه المراحل مع حادثة الاعتداء على المرأة المسلمة فى سوق الحلى الخاص ببنى قينقاع والتى كان لها أكبر الأثر فى بدء إجلاء اليهود عن المدينة ، ثم نزل القرآن بالآيات المحكمات التى تؤكد خروجهم النهائى بعد الغدر والتحالف مع العدو ، فقال الله: «وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا» “الأحزاب 27 – 26” ، ثم المرحلة الثانية والنهائية التى أثبتها القرآن فى قول الله: «هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّه» “الحشر 3”

إذن نحن أمام علة كبرى ، أننا مع السنة السابعة للهجرة نجد أن اليهود لا وجود فيزيائيا – جسميا – لهم بأى حال فى المدينة ، فقد تم إجلاؤهم عنها نهائيا ، ولذا فإن وصية النبى فى مرض وفاته كانت قوله فى الحديث الذى أخرجه البخارى «أَخْرِجُواْ المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ» وذلك استكمالاً لخروجهم من المدينة.

وهذه العلة كافية لتضعيف الرواية كلها حيث لا وجود بأى شكل للتجار اليهود فى المدينة إبان عام وفاة رسول الله ولا وجود لشراء منهم ولا رهن.

لكن أهل التراث لم يلبثوا إلا أن ينافحوا عن استمرار وجود بعض اليهود فى المدينة رغم كل الأدلة القواطع الثابتة بعكس ذلك ، والمدهش أنهم استدلوا برواية عند البخارى ومسلم حول حوار دار بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبين يهودى فى زمان خلافة عمر ، كدليل على وجود اليهود فى المدينة ، وهل يصلح ذلك الوهن كدليل إلا عند من يرى ضعفا فى استدلاله ، فما دلالة أن يحاور عمر يهوديا ، وهل يثبت الحوار بين يهودى وعمر ، أن اليهودى كان يسكن المدينة إلا عند ذاهبى العقل ، فإين رائحة الدليل أن ذلك اليهودى كان يسكن المدينة؟

ثم إن القول باستمرار وجود اليهود فى المدينة قبل وبعد وفاة النبى يدخلنا فى مشاكل دينية مستعصية ، أولها هو التكذيب المباشر والصريح لكل الآيات والأحاديث الصحيحة التى تؤكد إخراج اليهود عن بكرتهم من المدينة مع العام السابع ، أما المشكلة الأفدح والأفضح أنهم بذلك يقرون أن أشياخ الصحابة لم ينفذوا وصية إمام المرسلين بإخراج اليهود على فورهم من جزيرة العرب ، وأنهم لم ينفذوا ذلك إلى عهد عمر ، وكل تلك الإشكاليات من طعن فى القرآن والسنة والصحابة فداء لتقوية الرواية الباطلة عند البخارى ، وكما قلنا سابقا فإن التراثيين يخلقون المشكلة لأنفسهم بأنفسهم ثم لا يجدون مخرجاً منها ولا فيها.

أما الالتفاف الثانى من التراثيين فكان حول الربط بين رهن درع النبى وبين «أبى الشحم» اليهودى الوحيد الذى كان يدخل مدينة رسول الله بعد الإجلاء ، والتلفيق بين اليهودى المذكور وبين «أبى الشحم» تلفيق سقيم ، وذلك – أيضا كعادتهم – يدخلهم فى مشكلة لا منفذ منها ، فلو كان الملفقون بين رواية الدرع واسم «أبى الشحم» يقصدون بذلك الهروب من النصوص المتواترة بإجلاء اليهود عن المدينة فتمسكوا باسم اليهودى الوحيد الذى كان يدخلها فهذا إقرار صريح منهم بأنهم يعلمون جيدا بأن اليهود طردوا من المدينة وأن «أبا الشحم» هذا هو الزائر الوحيد للمدينة ، فهم بذلك أثبتوا ما أنكروه دون أن يدروا.

أما المشكلة الثانية لهذا القول فهى مشكلة توثيق ، فمن المؤكد والثابت أن «أبا الشحم» كان يعمل «خياطاً» ، ولم يرد خبر واحد ولو كان ضعيفا أن «أبا الشحم» كان يتاجر بأصواع الشعير ، كما أن الافتراض الملفق بأن هذا اليهودى المذكور هو «أبو الشحم» افتراض باطل ، لأنه لو كان هو المرتهن لدرع النبى لذكر فى الرواية بكنيته واسمه ، وليس بالتجهيل بكلمة «يهودى» ، لأن أبا الشحم كان يخيط كثير من ملابس المسلمين آنذاك فهو إذن شخصية معروفة.

إذن لا وجود لليهود أثرا ولا ضمنا ولا تجارة ولا سكنا فى المدينة ليرتهن عند أحدهم النبى درعه من الأساس.

ثانياً: أما العلة الثانية القادحة فى هذه الرواية فهى تختص بقلب الرواية ولبها فالمتن يقول «تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلاثِينَ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ» ، حيث أخرج البخارى ذاته رواية عن «أنس بن مالك» وعن «عائشة» متنها كالتالى: «اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامَاً بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ».

ونلاحظ فى هذه الرواية التى كررها البخارى كثيراً فى المتابعات أن واقعة الرهن ذكرت فيها دون ذكر وفاة النبى ودرعه مرتهنة ، وهذه الرواية من واقع الحال والنظر إنما هى أقرب للنصوص الثابتة حيث أحداث هذه الرواية تتفق مع السنوات الأولى لهجرة النبى ، فحال أغلب المسلمين كان رقيقا ، وكان اليهود هم أباطرة التجارة والزراعة فى خيبر وفدك والمدينة ، وكان النبى ما زال يعاملهم تجارياً واقتصادياً ، وكان الصحابة لم يتمكنوا بعد من إقامة تجارتهم ، كما أن الغنائم الحلال الخالص لمن جاهدوا فى سبيل الله لم تكن قد تقاطرت على المسلمين كما هو الحال بعد السنة الخامسة من الهجرة.

وهذه الرواية بكل إحداثياتها أقرب للواقع الزمنى والقرآنى ، لذا فإن هذه الرواية هى التى أدرج عليها الوضع فى لفظة الرواية الأولى بالقول: «تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ» وهو إدراج موضوع بهذا لا شك فيه ، لأن الأحداث أليق بالسنوات الأولى للهجرة وأبعد وأكذب عن آخر أيام رسول الله فى المدينة.

وذلك إنما يتأكد بالنظر إلى تغير الحال بعد السنة الخامسة من الهجرة ، ثم بعد فتح خيبر فى السنة السابعة…

ونستطيع أن نلخصه فى التالى:

بعد إجلاء اليهود تعاظم دور التجار من الصحابة وازدهرت تجارتهم مما كان له أكبر الأثر على توافد المحاصيل الزراعية للمدينة.

أنزل الله فى سورة الأنفال فرض الخمس لله ورسوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» “الأنفال 41” ، وكان النبى يتصدق منها على فقراء المدينة كالريح المرسلة ، ولكن يبقى لأهله مؤونتهم الكافية طوال العام ، ويثبت هذا عدد من الروايات المتعاضدة فقد أخرج “مسلم 131” عن جابر: «أن النبى نحر بالحديبية سبعين بدنة», وأخرج “البخارى 3537”: «أَنَّ النَّبىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبِيعُ نخْلَ بَنى النَّضِيرِ وَيحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ».

وكل هذه الروايات إنما تؤكد بما لا يدع مجالا لشك أن النبى بعد فرض الخمس كان يحبس قوت أهله لمدة سنة كاملة ، فكيف يدعى الملفقون أنه كان يرهن درعه فى آخر حياته ليشترى به شعيرا ، وقد جاءت الروايات الثابتة بكفاية النبى لمؤونة قوت العام كله.

أما بعد فتح خيبر ووقوع سهم فدك للنبى وأهله فإن الخير الوفير ازداد على المسلمين مما أفاء الله عليهم به وقد قال «ابن عمر» مما أخرجه البخارى: «ما شبعنا حتى فتحنا خيبر» ، وقد ذكرت المراجع مثل الواقدى وغيره أن محصول الشعير فى خيبر بلغ حوالى عشرة آلاف صاع ، فكيف يأتى من يقول إن النبى ارتهن درعه لثلاثين صاعا فى آخر أيامه فى المدينة ، وهو يملك السهم فى خيبر وفدك وهى الأراضى الزراعية الأكثر خصوبة فى الحجاز كله ويبلغ محصولها من الشعير خاصة كما قلنا عشرة آلاف صاع ، وقد ثبت سهم النبى بالنص فى الرواية التى أخرجها البخارى عن مطالبة الزهراء «فاطمة» بنت رسول الله لحقها بالإرث فقد جاءت الرواية تؤكد حجم السهم الذى كان ينال أبيات النبى من خيبر ، فالرواية تقول: «أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلام بِنْتَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلى أَبى بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ممَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ».

وهنا يجدر النظر فى طلب الزهراء «ما تبقى من خمس خيبر» وهذا الكلام الثابت له مدلولان ، أن النبى كان قبل موته ما زال معه من سهم الخمس له فى خيبر ولم يكن معتازاً ولا محوجاً للرهن كما ادعى الكذابون ، ويفيد النص الثابت أيضا بأن النبى كان له سهم الخمس سنوياً فى خيبر التى تخرج عشرة آلاف صاع من الشعير ، والصاع النبوى وإن كان مكيلا ولكنه أصبح بالتجربة موزونا بمقدار (2.035) أو اثنين كيلو جرام وخمسة وثلاثين جراماً ، فكيف يقول الكذابون إن النبى يرتهن درعه الشريفة وهو الذى أغناه الله عن شعير اليهود – غير الموجودين أصلا بالمدينة – أغناه بأكثر من أربعة آلاف كيلو من الشعير ، وقد أخرج البخارى ذاته أيضاً: «أَنَّ النَّبىَّ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ فَكَانَ يُعْطِى أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ» ، والوسق الواحد يساوى ستين صاعاً ، بمعنى أن النبى كان يعطى أهله بعد فتح خيبر ألفا ومائتى صاع من شعير.

أفبعد كل هذه النصوص يقول عاقل – إلا أن يكون كذاباً أفاكاً – إن النبى ارتهن درعه بثلاثين صاعا من الشعير ومات عنها مرهونة ، فأى مهلك يورد الكذب أهله.

ثالثاً: وهى علة نصية شرعية ، فقد كان النبى يوصى دوما ويؤكد ديانة وقضاء على تسديد الديْن من المدين الذى ظن أنه فى مرض الموت فكيف يموت وعليه دين؟ ، بل إن النبى شدد على ذلك لبيان أهميته وفى الرواية التى أخرجها البخارى أيضا جاء عنه أن النبى همَّ أن يصلى على ميت وسأل أصحابه «قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئَاً قَالُواْ لا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُواْ ثَلاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّواْ عَلَى صَاحِبِكُمْ» ، فهذا هو النبى لم يرتض الصلاة على الجنازة لمجرد دين لم يؤد ، وقد جاءت النصوص الثابتة أن النبى علم نعيه من الله وأخبر ابنته أنه اختار الرفيق الأعلى ، وهنا السؤال لو كان النبى مدينا حاشاه – لماذا لم يفتك الرهن ، والرهن هو فرع من الديْن كما وصفه أهل الأصول أنه «توثقة ديْن بعين» ، فهل كان رسول الله يعلم بانتقاله لرفيقه العلى وترك دينا عليه مرتهنا بالنسيئة ، هذا إذا أغفلنا عقولنا وتناسينا كل الطوام والكوارث التى فضحت الكذابين فى الرواية المذكورة.

إذن لم يتوف رسول الله عن درع مرهونة حيث أغنتنا العلل الظاهرة فى النص عن الخوض فى سنده رغم أن فيه ما فيه مما يستدعى الذكر ، وهنا نعود لما تقدمنا به ، أن المشكلة ليست فقط فى درع النبى ولا فى قتله بالسم من اليهود وهى الرواية التى أطلنا تفنيدها فى مقالنا «قصة مقتل النبى بالسم باطلة» ، ولكن المشكلة مع المنهج والتصور التراكمى على ذات المنهج ، وهى الإشكالية التى مللنا من عرضها فى مقالاتنا حيث منهج قبول النصوص المضافة قد شوه روح وسمت وبريق الشريعة من خلال التطبيق الأول والمثالى لها ، والذى حجبها وحجبنا عنها وعن التعامل المباشر والواعى معها جُدُر وعوائق ما زال المؤتفكون يتطاولون ببنائها لكى تظل حاجبة لاستلهام هذا التطبيق بحرية ووعى.

من أجل ذلك ما زال الأمل يبرق أمامنا لمحاولة تصحيح المنهج ، ومن أجل ذلك ما زلنا نؤمن أن ذلك التمنى وإن بَعُدَ فهو قريب.

المصدر: اليوم السابع الخميس ، 09 يوليه 2009

شاهد أيضاً

حصريا| مشروع كتاب الخريطة لـ ” د.إسلام بحيري “

>> تيار “الإصلاحي الديني” يستقرئ الأسانيد ككلام بشر جاءوا بعد الصحابة. >> لا يمكن بحسابات …

تعليق واحد

  1. الصديق العزيز / إسلام بحيري
    أود في مستهل تعليقي هذا أن أسجل تقديري وإحترامي لشخصكم العزيز وأردف عليه بتأكيدي على التضامن معكم في منهجكم العلمي في توثيق التراث الخاص بالنبي وذلك بإعتماد مبدأ عقلانية المتون مكافئ لثبوتية الأسانيد وهذا دفاعاً عن نبينا الكريم وتنقيةً للتراث مما أصابه عبر ألفٍ وأربعمئة عاماً ونيف وردأً لشبهات الملاحدة وهدماً للبناء الفكري والعقائدي للدواعش ومن دار في فلكهم ثم أما بعد.
    لقد بنيت رأيك في المقال محل النقد على خمسة فرضيات وسبعة حقائق ألى وهي :
    أولاً الفرضيات:
    ١- الزمان : وهنا قد أفترضت أن عملية الرهن قد تمت بعد الهجرة وليس قبلها ثم قسمت تلك الفترة إلى قسمين أولهما فترة ما قبل غزوة خَيْبَر والثاني ما بعدها.
    ٢- المكان : بناءً على فرضيت الزمان كان محتماً عليك إفتراض أن عملية الرهن تمت بالمدينة ثم أضفت عليها فرضيت محل إقامة اليهودي فكانت أنه من سكان المدينة أيضاً.
    ٣- الغاية : لقد أفترضت أن الغاية من عملية الرهن كانت من أجل الحاجة إلى الطعام.
    ٤- المسترهِن : أفترضت أن أغنياء المسلمين أولى من أي يهودي.
    ٥- التعريف : أفترضت أن الرهن ما هو إلا دَيْن بالتعريف.
    ثانياً الحقائق :
    ١- النبي لم يكن لديه الملائة المالية التي تكفيه لشراء الطعام قبل غزوة خَيْبَر.
    ٢- بعد غزوة خَيْبَر أصبح النبي في غنى عن شراء الطعام من أحد.
    ٣- قبل غزوة خَيْبَر كان هناك العدد الكثير من اليهود في المدينة.
    ٤- بعد ذلك لم يعد هناك ثمت يهودي في المدينة.
    ٥- المسلمون كانوا فقراء قبل عزوة خَيْبَر.
    ٦- الكثير منهم أصبحوا أغنياء بعد ذلك.
    ٧- ما كان للنبي أن يتوفي قبل أن يسد ما عليه من الدَين خاصةً وأنه قبيل وفاته كان يملك من المال ما يكفي لسداد قيمة الدرع المرهونة.
    وبناءً على ما تقدم فقد خلصت إلى أن إحتمالية أن يتوفى النبي ودرعه مرهونة = ٠٪‏
    نقد المقال:
    سأبني نقدي لمقالك على أساس أن كل الحقائق السبعة سالفة الذكر صحيحة وذلك لأني لست دارساً للتراث بشكل عام والإسلامي منه بشكل خاص مما يجعلني غير مؤهلاً لتحقيقه.
    سوف أناقش هنا الفرضيات حيث أن مناقشتها لا تحتاج إلا للعقلية النقدية والتي أظن أني أملك القدر الكافي منها الذي يؤهلني لذلك بناءً على ما تقدم من تحليل المقال.
    نقد الفرضيات:
    ١- الزمان: لم تذكر لماذا وضعت فرضيت أن عملية الرهن تمت بعد الهجرة وليس قبلها. قد يكون ذلك بديهياً من وجهة نظرك ولكني أري أنه بحاجة للتبرير.
    فأنا أرى أن المبرر من وراء ذلك هو أن الشئ المرهون هو درع ولا يوجد أي مبرر لأمتلاك النبي درعاً قبل الهجرة إلا إذا كان هناك ما يدل على ذلك في الأثر وتبيان ذلك عندك فما أنا بدارس للتراث الإسلامي.
    ثم أن تقسيم الفترة الزمنية على أساس غزوة خَيْبَر إنما جاء بناء على الفرضية رقم ٣ والتي بنقضها يصبح هذا التقسيم غير ذي موضوع.
    ماذا عن فترة ما قبل غزوة خَيْبَر هل من الممكن أن يكون الرهن قد تم في تلك الفترة؟ بالطبع نعم أستناداً إلى الحقيقتين رقمي ١ و٣ وإلي الأثر الوارد في مقالكم والذي يتحدث عن رهن الدرع دون ذكر أنه لم يتم أستعادته حتى وفات النبي.
    نقد الفترة ما بعد غزوة خَيْبَر تعتمد على الفرضية رقم ٣ لذلك سوف أرجأ الحديث عن تلك الفترة إلى نقدنا للفرضية وقم ٣.
    ٢- المكان : هل محل سكن اليهودي كان بالضرورة في المدينة أم أن هناك ثمة إحتمال أن يكون تاجراً يمر بالمدينة في طريقه للتجارة؟ الإجابة بالطبع ممكن فليس هناك ما يمنع ذلك.
    ٣- الغاية: هل هناك ما يبرر رهن الدرع غير الحاجة إلى الطعام؟ بالطبع من الممكن أن تكون الغاية هي الدرع ما يعني أن اليهودي هو صاحب الحاجة وليس النبي وإنما كان ذلك لنبل خلق النبي إستجابتاً لحاجة اليهودي وهو ما يجعل التقسيم في الفرضية رقم ١ غير ذي موضوع.
    وبذلك تصبح عملية الرهن واردة في الفترة الزمنية ما بعد غزوة خَيْبَر.
    ٤- المسترهِن: هذه الفرضية مرفوضة من وجهت نظري لأنها تعني أن النبي كان يفرق بين الناس في التعاملات المالية على أساس الدين وهذا يجعل الصورة الذهنية للنبي تأصل للأفكار الطائفية التي تدعوا المسلمين ألا يبتاعوا من النصارى والمنتشرة بين الكثير من دراويش الإسلام السياسي والتي يتعين علينا مكافحتها.
    وبالتالي تكون الحقيقتين رقمي ٥ و٦ ليستا ذات موضوع.
    ٥- التعريف: هل يعتبر الرهن ديناً بالتعريف؟
    ليس بالضرورة فيمكننا أن نعتبره نوعاً من التبادل المشروط فهو لا يترتب عليه نقل ملكية المرهون إلى المسترهِن ولكن يمثل حق إنتفاع إلى أجل رد الرهن.
    وبالتالي تكون الحقيقة رقم ٧ غير ذات موضوع.
    الخلاصة: عملية الرهن غير مرفوضة عقلاً ولها ما يبررها من حيث حاجة النبي إلى ذلك أو حاجة اليهودي.
    أما بشأن رد الرهن فقد بكون لأحد الأسباب التالية؛
    ١- اليهودي لم يكن من سكان المدينة وبالتالي لم يتسنى للنبي رد الرهن قبل وفاته.
    ٢- فر اليهودي من المدينة بعد أحداث خَيْبَر ولَم يعد إليها ثانياً وقد يكون باع الدرع المرهون ليأسه من رد الرهن.
    ٣- أحتفظ اليهودي بالدرع ولَم يشئ أن يرده للنبي لأسباب خاصة بذلك اليهودي قد تكون لصداقة بينهما أو للذكرى.
    وبناءً على ما تقدم فإن الرواية محل البحث ليست مرفوضة عقلا بالكلية ولكان هناك إحتمالاً لكونها قد حدثت بالفعل. هذا ما يجعلني أنقل تصنيف هذه الرواية من مكذوبة متناً إلى ضعيفة.
    هذا ويسرني أستقبال ردكم على بريدي الإلكتروني أو من خلال برنامجكم المميز إسلام حر على إذاعة ميجا أف أم.
    مع خالص تحياتي
    أحمد ماهر

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co