الثلاثاء , 22 أغسطس 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

جمال طه يكتب: تحالف «طهران – موسكو – أنقرة» ومستقبل الإقليم

روسيا استعدت منذ سنوات لوراثة الوجود الأمريكى الذى يغادر الشرق الأوسط ، متجهاً لآسيا والباسيفيك ، لمواجهة التنين الأصفر ، لم تعتمد على ركائز عربية ، سبق أن عرَّضَت مصالحها لنكسات ، على غرار ماحدث لخبرائها بمصر 1972 ، لكنها استندت لركيزتين تحكمان أطراف المنطقة ، إحداهما شيعية «إيران» ، والأخرى سنية «تركيا»..

إيران سلمها الغرب لروسيا بحصاره لنظام الخمينى 1979 ، ثم عاد ليساومها على النووى مقابل إطلاق يدها بالمنطقة ، امتد نفوذها من العراق والخليج حتى سوريا ولبنان ، ما كان يقدر لموسكو حسم الحرب السورية دون مجهودها البرى ، والطموح الروسى فى الخليج واليمن يعتمد عليها أيضاً..

استقطاب تركيا على رأس الأهداف الاستراتيجية لروسيا ، فقد دفعا ثمن العداء قرابة 17 حرباً عبر خمسة قرون ، آخرها الحرب العالمية الأولى ، فضلاً عن سعيها لاحتكار إمدادات الغاز الطبيعى لأوروبا ، مما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تركيا الممر البرى للأنابيب.

تركيا استجابت لسعى روسيا نحوها بسبب إدراك أردوغان أن أمريكا تتخلى عن أصدقائها ، بل إن إدارة أوباما ، ومن باب الكيد للإدارة الجمهورية المقبلة ، تذرع الألغام فى العلاقات الخارجية ، إلى حد اتهام جوليان أسانج مؤسس «ويكيليكس» لها بالتورط فى انقلاب يوليو 2016..

أوروبا أغلقت الباب أمام التحاق تركيا بالاتحاد .. حلم إحياء الخلافة العثمانية بدده سقوط إخوان مصر، وتراجعهم بتونس والأردن..

الرهان على التنظيمات المسلحة سقط بانحسار نفوذهم بعد التدخل الروسى ، ولم يعد بديل أمام تركيا سوى التحالف مع روسيا ، القوة الصاعدة بالمنطقة والعالم ، خاصة أن التباعد يهدد باستخدامها للأكراد كورقة ضغط موجعة..

تأكيد أردوغان امتلاك «أدلة» بالصور والتسجيلات المصورة تثبت دعم أمريكا والتحالف الدولى لـ «داعش» والتنظيمات الإرهابية ، يمثل ضربة قاضية للإدارة الأمريكية ، والعلاقات معها ، والغريب أن أمريكا اكتفت ببيان للخارجية يرفض عبارات أردوغان «غير المقبولة»!! لم تدعه لسحب اتهامه ، أو الاعتذار ، لم تستدع سفيرها بأنقرة للتشاور ، ولا السفير التركى بواشنطن للاحتجاج..

تصرف أردوغان يعكس فهماً لآليات ممارسة الضغط على النطاق الدولى ، حتى فيما يتعلق بالعلاقة مع الحلفاء ، ممارسة القوة تؤتى ثمارها ، بينما التجاوب مع الضغوط لا يجنى سوى الخسران..

ترى هل استوعبنا درس سحب قرار المستوطنات بمجلس الأمن؟!

انتصار حلب كان باكورة ثمار التحالف بين دول «المحور الجديد» طهران – موسكو-أنقرة ، اختيار الهدف حددته استراتيجية المصالح الاقتصادية ، حلب بوابة عبور أنابيب النفط لأوروبا ، ما يحفظ لروسيا القدرة على التحكم فى الإمدادات ، ويفسر إرسال أول كتيبة شرطة عسكرية روسية ، عناصرها شيشانية مسلمة ملتحاة!! للمراقبة والسيطرة ، بعد انسحاب المقاتلين والمدنيين من شرق المدينة ، ما يعكس دوراً عسكرياً برياً فعالاً ، وتوظيفاً للمظهر الدينى لضمان قبول الفئات المتصارعة لهم دون حساسيات..

الانتصار شجع موسكو على تدشين «التحالف» ، خلال لقاء وزراء خارجية ودفاع الدول الثلاث بموسكو 20 ديسمبر ، وإعلان الاتفاق على أسس تسوية المشكلة السورية ، سحباً للبساط من الجهود الدولية بجنيف: لا حل عسكرى للأزمة فى سوريا.. الحفاظ على وحدة الأراضى السورية.. حرية تنقل المدنيين بكافة أنحاء البلاد.. تبنى الدول الثلاث دور الضامن فى الاتفاق المحتمل بين المعارضة والنظام.. التفريق بين «النصرة وداعش» والمجموعات المعارضة المسلحة الأخرى.. إطار قابل للنقاش ، ولكن بكل التحفظ والحذر ، لأن هذا «التحالف» لا يعطى أولوية لمصالح الأطراف العربية ، بدليل عدم دعوة ممثل للنظام السورى فى اجتماع التأسيس الذى وضع أسس التسوية.

عناصر المخابرات الروسية التقت مع ممثلى الفصائل المسلحة «أحرار الشام» ، «جيش الإسلام» ، «حركة نور الدين الزنكى» ، و«جيش المجاهدين» ، برعاية المخابرات التركية ، للإعداد لاجتماعات التسوية النهائية بمشاركة الفصائل والنظام فى أستانا بكازاخستان يناير الحالى ، لم تتم دعوة واشنطن ، ولا المبعوث الدولى دى ميستورا!!

روسيا حرصت على تحييد قطر ، باعتبارها أهم الداعمين للتنظيمات المسلحة ، ببيعها 19.5% من أسهم شركة روس نفط ، وما أعقبها من شراء 30% من حصة «إينى» بحقل ظهر المصرى ، والاضطلاع بمسئولية بناء خط الأنابيب لأوروبا ، ما يعنى امتلاك قطر لمزيد من عناصر القوة على المستويين الدولى والإقليمى كمصدر رئيسى للطاقة..

وزير الخارجية التركى التقى فى الدوحة بنظيره القطرى ورئيس الهيئة العليا للمعارضة السورية ، أما السعودية التى مولت التنظيمات المسلحة السورية بـ 18 مليار دولار ، وفقاً لتقديرات مركز فيريل الألمانى ، فقد تم تجاهلها ، ما يضيف المزيد من الخسائر لسياسات «الجبير» الخارجية.

19  ديسمبر 2016 اغتيل أندريه كارلوف سفير روسيا بتركيا ، السيناريو بالغ الدلالة ؛ القاتل ضابط حراسات خاصة خدم مع أردوغان ، عضو بالعدالة والتنمية ، سافر خمس مرات لقطر قبل الجريمة ، نفذ على الهواء مباشرة ، ووجه رسائل صريحة ، تعكس الرغبة فى الانتقام من الدور الروسى بسوريا ، وتمعن فى الاستفزاز ، لتخريب العلاقات مع تركيا ، قبل زيارة أردوغان المقررة لموسكو..

20 ديسمبر عُثر على السفير بيتر بولشيكوف وكيل الخارجية الروسية ، مقتولاً بشقته بموسكو ، ولم يُعثر على شواهد تشير لاحتمال انتحاره ، ولا لمسئولية زوجته..

23 ديسمبر سقطت طائرة تابعة لوزارة الدفاع ، متجهة لقاعدة حميميم باللاذقية ، وعلى متنها 92 شخصاً بينهم 83 عسكرياً ، منهم قائد العمليات الروسى بسوريا..

25 ديسمبر اغتيل الدبلوماسى «يفس شانديلون» ممثل روسيا لدى «الناتو» ببلجيكا ، بإصابة مباشرة فى الرأس ، بعد تهديدات هاتفية..

29 ديسمبر أصيب ألكسندر بتروفيتش سفير روسيا بإسرائيل بتسمم غذائى ، بأحد مطاعم «تل أبيب» ، ونقل للعناية المركزة.. ويظل الانتقام من روسيا سيد الموقف..

الأمن الروسى يحقق فى علاقة الناتو والمخابرات البريطانية ، ويعيد استجواب خلية آسيوية اعتقلت منتصف نوفمبر، لتخطيطها لعمليات إرهابية بموسكو وسان بطرسبرج ، واتهم أوكرانيا وليتوانيا وبولندا بتنفيذ 15 برنامجاً لتجنيد الشباب الروسى ، وإعدادهم لعمليات بشبه جزيرة القرم.

نجاح بوتين رغم الحصار الغربى أثار حفيظة أوباما ، منع الدبلوماسيين الروس من حضور الانتخابات الأمريكية رغم وجود آلاف المراقبين الأجانب ، وطرد 35 دبلوماسياً ، وأغلق مقرين للسفارة الروسية بواشنطن ، بوتين رفض التصديق على قرار خارجيته بالرد بالمثل ، ودعا الدبلوماسيين الأمريكيين بموسكو لحضور احتفالات رأس السنة والميلاد فى الكرملين ، لتفويت الفرصة على الإدارة الأمريكية الراحلة ، فى إفساد علاقاته بالإدارة الجمهورية الجديدة.. إدارة راقية متعقلة للأزمة ، تبرر اختيار صحيفة لوموند لبوتين «الرجل الحقيقى لعام 2016» ، مقابل نتائج استطلاع الرأى الذى أجرته جامعة كوينيبياك 2014 ، من أن أوباما أسوأ رئيس من بين 12 تداولوا الحكم منذ 1945 ، حتى قبل بوش الابن!! وعد العالم حين تسلم الرئاسة 2009 بالسلام ، وغادرها وقد انعدم من الشرق الأوسط ، واجتاح الإرهاب عواصم أوروبا ، وقرع أبواب البيت الأبيض.

المصدر: الوطن

شاهد أيضاً

د. فايز أبو شمالة يكتب: رسالة عباس عبر زهافا جالؤون

حملت “زهافا جالؤون” رئيسة حزب مريتس الإسرائيلي رسالة السيد محمود عباس إلى الإسرائيليين ، ونقلتها …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co