الخميس , 17 أغسطس 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

“المجلس الأول” من كتاب “ليالي بيشاور” لـ “سلطان الواعظين” السـيّد محمّـد الموسوي الشيرازي من أعلام القرن 14 هـ

سفر قيّم ، يضمّ مناظرات وحوارات في مواضيع خلافية عديدة ، أهمّها إمامة وولاية أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام وخلافته الشرعية للرسول الأمين صلى الله عليه وآله – بلا فصل – والاستدلال عليها من الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة الشريفة ، وعقائد الإمامية ، والأدلة العقلية والنقلية لإِثباتها.

جرت هذه المناظرات الودّية المبنية على النقاش العلمي ، والمنطق البعيد عن التعصّب والمجرّد عن التقليد والأهواء ، بين أحد علماء الإماميّة ـ المصنّف قدس سره عندما كان في الثلاثين من عمره ـ وبين محاوريه من كبار علماء العامّة المعاصرين له ، وبحضور جموع غفيرة من أبناء الطائفتين في دار أحد وجهاء مدينة “بيشاور” الباكستانيّة ، وبحضور ما يقرب من 200 كاتب من الفريقين للتدوين والتوثيق وتسجيل ما يجري من حوار ومسائل وأجوبة وردود وشبهات ، وكذلك أربعة من الصحفيّين لكتابة ما يدور في هذه المجالس من المناقشات بكلّ جزئيّاتها ونشره في اليوم التالي في الصحف والمجلات الصادرة هناك في ذلك الوقت.

أُقيمت هذه المجالس ـ بناءً على طلب بعض علماء العامّة وكبار شخصياتهم ـ لمدّة 10 ليالٍ ، من ليلة الجمعة 23 رجب سنة 1345 هـ إلى ليلة الأحد 3 شعبان من السنة نفسها ؛ وعقب انتهائها أعلن عدّة من الحاضرين تشـيّعهم والتزامهم بمذهب الحقّ مذهب أهل البيت عليهم السلام.

جدير بالذكر أن الكتاب صدر سابقاً بالفارسية وترجمة وحققه ، السـيّد حسين الموسوي ، وقد صدر في بيروت سنة 1419 هـ.

وقدم له المترجم قائلا: (جدير بأن نسمي عصرنا بعصر الحوار والتفاهم ، لقد حان الوقت ليتصارح المسلمون بأمورهم العقائدية حتى يظهر الحق وتتوحد كلمتهم عليه ، فإن الوحدة الإسلامية ، أمنية جميع المسلمين ، ولأننا لمسنا أن التفرقة هي بغية أعدائهم ، وهي الوسيلة التي استعملها أعداء الدين والمستعمرون لفرض سيطرتهم على البلاد الإسلامية ونهب خيراتها وبث مبادئ الكفر والإلحاد والضلال والفساد بين أبناء الإسلام الحنيف ، وبما أن الوحدة الإسلامية ضرورة ملحة ، وهي لا تتم إلا بالصدق والحوار الإيجابي البناء بلا تعصب ولا عناد مع تحكيم القرآن والعقل والوجدان الحر ، في اختيار أحسن القول ، كما أمر بذلك رب العباد في قوله العزيز: “فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه” “الزمر – 18” ، فيلزم على المسلم الكامل والإنسان العاقل ، أن يكون بصيرا في أمر دينه ، عالما بقضايا مذهبه ، لا يقبل قولا ولا يتمسك به إلا عن دليل وبرهان ، حتى يصبح في أمره على يقين وإيمانلأنه إذا سلك طريقا وتمسك بعقائد ومبادئ بغير علم يسنده ولا دليل يعضده وبرهان يرشده ، فسيكون كمن أغمض عينيه ولزم طريقا طويلا يمشي فيه على أمل أن يوصله إلى مقصده ومنزله ، حتى إذا أصاب رأسه الحائط ، فأبصر وفتح عينيه ، فإنه سوف يرى نفسه بعيدا عن مقصده ، تائها ضالا عن سواء الصراط. فمن لم يحقق في الأمور الدينية ولم يدقق في القضايا المذهبية ، بل ذهب إلى مذهب آبائه ولزم سبيل أسلافه ، فربما فتح عينيه بعد جهد طويل ، فيرى نفسه تائها قد ضل السبيلولذا عبر الله العزيز الحكيم عن هكذا إنسان بالأعمى فقال: “ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا” “الإسراء -72“. ولإنقاذ المسلمين من العناد والتعامي قدمت على تعريب هذا الكتاب القيم من اللغة الفارسية إلى العربية ، لعله يحقق شيئا من هذا الهدف السامي. راجيا أن يترك في المسلمين أثرا إيجابيا ، فيقرب قلوبهم ويوحد صفوفهم وكلمتهم ، ويجمعهم على كلمة الله سبحانه بالحق والإصلاح ، والسعادة والفلاح ، ولقد أدركت مؤلف هذا الكتاب المرحوم آية الله السيد محمد “سلطان الواعظين” وحضرت مجلسه وسمعت حديثه ومواعظهفلقد كان رحمة الله عليه رجلا ضخما في العلم والجسم ، ذا شيبة وهيبة ، وكان جسيما وسيما ذا وجه منير ، قل أن رأيت مثله ، وكان آنذاك يناهز التسعين عاما من عمره الشريف ، ولقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر في مدينة طهران ، حيث عطلت أسواق عاصمة إيران لوفاته وخرجت حشود عظيمة في مواكب عزاء حزينة وكئيبة ، ورفعت الرايات والأعلام السوداء معلنة ولائها وحبها لذلك العالم الجليل والسيد النبيل.

المجلس الأول

ليلة الجمعة 23 ، رجب ، 1345هـ

المكان: بيت المحسن الوجيه الميرزا يعقوب علي خان قزل باش(1) ، من الشخصيات البارزة في بيشاور.

الابتداء: أول ساعة من الليل بعد صلاة المغرب.

إفتتاحية المجلس

حضر المشايخ والعلماء وهم: الحافظ (2) محمد رشيد والشيخ عبد السلام ، والسيد عبد الحي ، وغيرهم من العلماء ، وعدد كبير من الشخصيات والرجال من مختلف الطبقات والأصناف.

فرحبت بهم واستقبلتهم بصدر منشرح ووجه منبسط ، كما ورحب بهم صاحب البيت واستقبلهم استقبالا حارا ، ثم أمر خدمه فقدموا الشاي والفواكه والحلوى لجميع من حضر.

هذا ، ولكن مشايخ القوم كانوا على عكس ما كنا معهم ، فقد رأينا الغضب في وجوههم ، إذ أنهم واجهونا في البداية بوجوه مقطبة مكفهرة ، وكأنهم جاؤونا للمعاتبة لا للتفاهم والمناظرة.

أما أنا فكنت لا أبالي بهذه الأمور ، لأني لم أبتغ من وراء هذا اللقاء هدفا شخصيا ، ولأم أحمل في نفسي عنادا ولا في صدري تعصبا أعمى ضد أحد ، وإنما كان هدفي ان أوضح الحق وأبين الحقيقة.

ولذلك لم أتجاوز عما كان يجب علي من المعاملة الحسنة فقابلتهم بالبشر والابتسامة ، والترحيب والتكريم ، وطلبت منهم أن يبدؤوا بالكلام بشرط أن يكون المتكلم شخصا معينا عن الجماعة حتى لا يضيع الوقت ، ولا يفوت الغرض الذي اجتمعنا من أجله.

فوافقني القوم على ذلك وعينوا من بينهم الحافظ محمد رشيد ليتكلم نيابة عنهم ، وربما خاض الآخرون ـ أحيانا ـ في البحث ولكن مع إذن مسبق.

بدء المناظرة

بهذا أخذ المجلس طابعه الرسمي ، وبدأت المناظرات بيني وبينهم بكل جد وموضوعية ، فبدأ الحافظ محمد رشيد وخاطبني بلقب: (قبله صاحب)(3) قائلا :منذ نزولكم هذا البلد ، شرفتم مسامع الناس بمحاضراتكم ، وخطبكم ، ولكن بدل أن تكون محاضراتكم منشأ الألفة والإخاء فقد سببت الفرقة والعداء ، ونشرت الإختلاف بين أهالي البلد ، وبما أنه يلزم علينا إصلاح المجتمع ، ورفع الاختلاف منه ، عزمت على السفر ، وقطعت مسافة بعيدة مع الشيخ عبد السلام وجئنا إلى بيشاور لدفع الشبهات التي أثرتموها بين الناس.

وقد حضرت اليوم محاضرتكم في الحسينية ، واستمعت لحديثكم ، فوجدت في كلامكم سحر البيان وفصل الخطاب أكثر مما كنت أتوقعه ، وقد اجتمعنا ـ الآن ـ بكم لننال من محضركم الشريف ما يكون مفيدا لعامة الناس إن شاء الله تعالى.

فإن كنتم موافقين على ذلك ، فإنا نبدأ معكم الكلام بجدّ ، ونتحدث حول المواضيع الأساسية التي تهمنا وتهمكم؟

قلت: على الرحب والسعة ، قولوا ما بدا لكم ، فإني أستمع لكم بلهفة ، وأصغي لكلامكم بكل شوق ورغبة ، ولكن أرجو من السادة الحاضرين جميعا ـ وأنا معكم ـ ان نترك التعصب والتأثّر بعادات محيطنا وتقاليد آبائنا ، وأن لا تأخذنا حمية الجاهلية ، فنرفض الحق بعد ما ظهر لنا ، ونقول ـ لا سمح الله ـ مثل ما قاله الجاهلون: (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) (4) أو نقول: (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) (5).

فالرجاء هو أن ننظر نحن وأنتم إلى المواضيع والمسائل التي نناقشها نظر الإنصاف والتحقيق ، حتى نسير معا على طريق واحد ونصل إلى الحق والصواب ، فنكون كما أراد الله تعالى لنا: إخوانا متعاضدين ومتحابين في الله تبارك وتعالى.

فأجاب الحافظ: إن كلامكم مقبول على شرط أن يكون حديثكم مستندا إلى القرآن الكريم فقط.

قلت إن شرطكم هذا غير مقبول في عرف العلماء والعقلاء ، بل يرفضه العقل والشرع معا ، وذلك لأن القرآن الكريم كتاب سماويّ مقدّس ، فيه تشريع كل الأحكام بإيجاز واختصار مما يحتاج في فهمه إلى من يبينه، والسنة الشريفة هي المبينة ، فلا بدّ لنا أن نرجع في فهم ذلك إلى الأخبار والأحاديث المعتبرة من السنة الشريفة ونستدل بها على الموضوع المقصود.

الحافظ: كلامكم صحيح ومتين ، ولكن أرجو أن تستندوا في حديثكم إلى الأخبار الصحيحة المجمع عليها ، والأحاديث المقبولة عندنا وعندكم، ولا تستندوا بكلام العوامّ والغثّ من عقائدهم.

وأرجو أيضا أن يكون الحوار هادئا ، بعيدا عن الضوضاء والتهريج حتى لا نكون موضع سخرية الآخرين ومورد استهزائهم.

قلت: هذا كلام مقبول ، وأنا ملتزم بذلك قبل أن ترجوه منّي ، فإنه لا ينبغي لرجل الدين والعالم الروحي إثارة المشاعر والتهريج في الحوار العلمي والتفاهم الديني ، وبالأخص لمن كان مثلي ، إذ إن لي العزّ والفخر وشرف الانتساب إلى رسول الله (ص) ، وهو صاحب الصفات الحسنة والخصال الحميدة والخلق العظيم ، الذي أنزل الله تعالى فيه: (إنّك لعلى خلق عظيم) (6).

ومن المعلوم أني أولى بالالتزام بسنة جدي ، وأحرى بأن لا أخالف أمر الله عز وجل حيث يقول: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (7).

الحافظ: ذكرت أنك منتسب إلى رسول الله (ص) ـ وهو المشهور أيضا بين الناس ـ فهل يمكنكم ان تبينوا لنا طريق انتسابكم إلى النبي الأعظم (ص) ، والشجرة التي تنتهي بكم إليه؟

قلت: نعم ، إن نسبي يصل عن طريق الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام إلى رسول الله (ص) ، وذلك على النحو التالي:

شجرة المؤلف:

أنا محمد بن علي أكبر “أشرف الواعظين” بن قاسم “بحر العلوم” ابن حسن بن إسماعيل “المجتهد الواعظ” بن ابراهيم بن صالح بن أبي على محمد بن علي “المعروف بالمردان” بن أبي القاسم محمد تقي بن “مقبول الدين” حسين بن أبي علي حسن بن محمد بن فتح الله بن إسحاق بن هاشم بن أبي محمد بن إبراهيم بن أبي الفتيان بن عبدالله بن الحسن بن أحمد “أبي الطيب” ابن أبي علي حسن بن أبي جعفر محمد الحائري “نزيل كرمان” ابن إبراهيم الضرير المعروف بـ “المجاب” ابن الأمير محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي السجاد “زين العابدين” بن الإمام أبى عبدالله الحسين “السبط الشهيد” بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم أجمعين).

الحافظ: جيد ، لقد انتهى نسبك ـ حسب بيانك هذا ـ إلى علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) ، وهذا الانتساب يثبت أنك من أقرباء النبي (ص) لا من أولاده ، لأن الأولاد إنما هم من ذرية الإنسان ونسله ، لا من ختنه وصهره، فكيف ادّعيت مع ذلك بأنك من أولاد رسول الله (ص)؟!.

قلت إن انتسابنا إلى النبي الأكرم (ص) إنما يكون عن طريق فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله (ص) ، لأنها أم الإمام الحسين الشهيد عليه السلام.

الحافظ: العجب كل العجب منك ومن كلامك! إذ كيف تتفوّه بهذا الكلام وأنت من أهل العلم والأدب؟!

ألست تعلم أن نسل الإنسان وعقبه إنما يكون عن طريق الأولاد الذكور لا الإناث؟! ورسول الله (ص) لم يكن له عقب من أولاده الذكور!! فإذن أنتم أسباطه وأبناء بنته ، لا أولاده وذريته!!

قلت: ما كنت أحسبك معاندا أو لجوجا ، وإلا لما قمت مقام المجيب على سؤالكم ، ولما قبلت الحوار معكم!

الحافظ: لا يا صاحبي لا يلتبس الأمر عليك ، فإنّا لا نريد المراء واللجاج وإنما نريد أن نعرف الحقيقة ، فإني وكثير من العلماء نظرنا في الموضوع ما بينته لكم ، فإنا نرى أن عقب الإنسان ونسله إنما هو من الأولاد الذكور لا البنات ، وذلك كما يقول الشاعر في هذا المجال:

بنونا بنــــو أبـــنائنا ، وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

فإن كان عندكم دليل على خلافه يدلّ على أن أولاد بنت رسول الله (ص) أولاده وذريته فبينوه لنا حتى نعرفه ، وربما نقتنع به فنكون لكم من الشاكرين.

قلت: إني وفي أثناء كلامكم تذكرت مناظرة حول الموضوع ، جرت بين الخليفة العباسي هارون ، وبين “الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام” ، فقد أجابه عليه السلام بجواب كاف وشاف اقتنع به هارون وصدقه.

الحافظ: كيف كانت تلك المناظرة أرجو أن تبينوها لنا؟

قلت: قد نقل هذه المناظرة علماؤنا الأعلام في كتبهم المعتبرة ، منهم: ثقة عصره ، ووحيد دهره ، الشيخ الصدوق في كتابه القيم: (عيون أخبار الرضا) (8).

ومنهم: علامة زمانه ، وبحّاثة قرنه ، الشيخ الطبرسي في كتابه الثمين: (الاحتجاج) وأنا أنقلها لكم من كتاب.

(الاحتجاج)(9) وهو كتاب علمي قيّم ، يضم بين دفتيه أضخم تراث علمي وأدبي لا بدّ لأمثالك أيها الحافظ من مطالعته ، حتى ينكشف لكم الكثير من الحقائق العلمية والوقائع التاريخية الخافية عليكم.

أولاد البتول عليها السلام ذرية الرسول (ص):

روى العلامة الطبرسي أبو منصور أحمد بن علي في الجزء الثاني من كتابه:(الاحتجاج) رواية مفصلة وطويلة تحت عنوان: “أجوبة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لأسئلة هارون” وآخر سؤال وجواب ، كان حول الموضوع الذي يدور الآن بيننا ، وإليكم الحديث بتصرّف:

هارون: لقد جوّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى النبي (ص) ويقولوا لكم: يا أولاد رسول الله ، وأنتم بنو علي ، وإنما ينسب المرء إلى أبيه ، وفاطمة إنما هي وعاء ، والنبي جدكم من قبل أمكم؟؟!

الإمام عليه السلام: لو أن النبي (ص) نشر فخطب إليك كريمتك ، هل كنت تجيبه؟!

هارون: سبحان الله! ولم لا أجيبه ، وأفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.

الإمام عليه السلام: لكنه لا يخطب إليّ ، ولا أزوّجه.

هارون: ولِمَ؟!

الإمام عليه السلام: لأنه ولدني ولم يلدك.

هارون: أحسنت!!

ولكن كيف قلتم: إنا ذرية النبي (ص) والنبي لم يعقّب؟! وإنما العقب للذكر لا للأنثى ، وأنتم ولد بنت النبي ، ولا يكون ولدها عقبا له (ص)!!

الإمام عليه السلام: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه إلا أعفيتني عن هذه المسألة.

هارون: لا … أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم ، كذا أنهى لي ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه ، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله ، وأنتم معشر ولد علي تدّعون: أنه لا يسقط عنكم منه شيء ، ألف ولا واو ، إلا تأويله عندكم واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(10) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم!!

الإمام عليه السلام: تأذن لي في الجواب؟

هارون: هات.

الإمام عليه السلام: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) (11) فمن أبو عيسى عليه السلام؟

هارون: ليس لعيسى أب!

الإمام عليه السلام: فالله عز وجل ألحقه بذراري الأنبياء عن طريق أمه مريم عليها السلام وكذلك ألحقنا بذراري النبي (ص) من قبل أمنا فاطمة عليها السلام … هل أزيدك؟

هارون: هات.

الإمام عليه السلام: قال الله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(12) ولم يدّعِ أحد أنه أدخله النبي (ص) تحت الكساء وعند مباهلة النصارى ، إلا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليها السلام ، واتفق المسلمون: أن مصداق (أبناءنا) في الآية الكريمة: الحسن والحسين عليهما السلام ، (ونساءنا): فاطمة الزهراء عليها السلام.

(وأنفسنا): علي بن أبي طالب عليه السلام.

هارون: أحسنت يا موسى! ارفع إلينا حوائجك.

الإمام عليه السلام: ائذن لي أن أرجع إلى حرم جدي رسول الله (ص) لأكون عند عيالي.

هارون: ننظر إن شاء الله (13).

الاستدلال بكتب العامة ورواياتهم

هناك دلائل كثيرة جاءت في نفس الموضوع تدل على ما ذكرناه وقد سجّلها علماؤكم ونقلها حفاظكم ورواتكم.

منهم: الإمام الرازي في الجزء الرابع من (تفسيره الكبير) (14) وفي الصفحة (124) من المسألة الخامسة قال في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام: إن الآية تدل على أن الحسن والحسين “عليهما السلام” ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الله جعل في هذه الآية عيسى من ذرية ابراهيم ولم يكن لعيسى أب ، وإنما انتسابه إليه من جهة الأم ، وكذلك الحسن والحسين “عليهما السلام” فإنهما من جهة الأم ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم.

كما إن الإمام الباقر عليه السلام استدل للحجاج الثقفي بهذه الآية لإثبات أنهم ذرية رسول الله (ص) أيضا(15).

ومنهم: ابن أبي الحديد في: “شرح نهج البلاغة” ، وأبو بكر الرازي في تفسيره استدل على أن الحسن والحسين عليهما السلام أولاد رسول (ص) من جهة أمهم فاطمة عليها السلام بآية المباهلة وبكلمة: (أبناءنا) كما نسب الله تعالى في كتابه الكريم عيسى إلى إبراهيم من جهة أمه مريم عليها السلام.

ومنهم: الخطيب الخوارزمي ، فقد روى في (المناقب) والمير السيد علي الهمداني الشافعي في كتابه (مودة القربى) والإمام أحمد بن حنبل وهو من فحول علمائكم في مسنده ، وسليمان الحنفي البلخي في (ينابيع المودة)(16) بتفاوت يسير: أن رسول الله (ص) قال ـ وهو يشير إلى الحسن والحسين عليهما السلام: “إبناي هذان ريحانتاي من الدنيا ، إبناي هذان إمامان إن قاما أو قعدا“.

ومنهم: محمد بن يوسف الشافعي ، المعروف بالعلامة الكنجي ، ذكر في كتابه (كفاية الطالب) فصلا بعد الأبواب المائة بعنوان: فصل: في بيان أن ذرية النبي (ص) من صلب علي عليه السلام “جاء فيه بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنه قال: قال رسول الله (ص) إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وإن الله عز وجل جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب”(17).

ورواه ابن حجر المكي في صواعقه المحرقة: ص74 و94 عن الطبراني ، عن جابر بن عبدالله ، كما ورواه أيضا الخطيب الخوارزمي في (المناقب) عن ابن عباس: قلت (والقائل هو الكنجي الشافعي تعقيبا لما رواه) ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير في ترجمة الحسن ، ثم قال:

فإن قيل: لا اتصال لذرية النبي (ص) بعلي عليه السلام إلا من جهة فاطمة عليها السلام وأولاد البنات لا تكون ذرية ، لقول الشاعر:

بنـــونا بنـــــو أبنائنا ، وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

قلت(18): في التنزيل حجة واضحة تشهد بصحة هذه الدعوى وهو قوله (عز وجل)(19): (ووهبنا له – أي:ابراهيم – إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ـ إلى أن قال: وزكريا ويحيى وعيسى) ، فعد عيسى (عليه السلام) من جملة الذرية الذين نسبهم إلى نوح (عليه السلام) وهو ابن بنت لا اتصال له إلا من جهة أمه مريم.

وفي هذا أكد دليل على أن أولاد فاطمة (عليها السلام) ذرية النبي (ص) ولا عقب له إلا من جهتها ، وانتسابهم الى شرف النبوة ـ وان كان من جهة الأم ـ ليس ممنوع ، كانتساب عيسى الى نوح ، إذ لا فرق.

وروى الحافظ الكنجي الشافعي في آخر هذا الفصل ، بسنده عن عمر بن الخطاب ، قال سمعت رسول الله يقول: كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة ، فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم(20).

قال العلامة الكنجي: رواه الطبري في ترجمة الحسن.

هذا ونقله أيضا بتفاوت يسير وزيادة في أوله، بأن رسول الله (ص) قال: كل حسب ونسب منقطع يوم اليوم القيامة ما خلا حسبي ونسبي (21).

أقول: ونقله كثير من علمائكم وحفاظكم ، منهم الحافظ سليمان الحنفي في كتابه: (ينابيع المودة)(22) وقد أفرد بابا في الموضوع فرواه عن أبي صالح ، والحافظ عبدالعزيز بن الأخضر وأبي نعيم في معرفة الصحابة ، والدار قطني والطبراني في الأوسط.

ومنهم: الشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في: (الإتحاف بحب الاشراف).

ومنهم: جلال الدين السيوطي في (إحياء الميت بفضائل أهل البيت) (23).

ومنهم: أبو بكر بن شهاب الدين في: (رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبي الهادي) ط. مصر ، الباب الثالث.

ومنهم: ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) الباب التاسع ، الفصل الثامن ، الحديث السابع والعشرون ، قال: أخرج الطبراني عن جابر ، والخطيب عن ابن عباس … ونقل الحديث.

وروى ابن حجر أيضا في (الصواعق الباب الحادي عشر ، الفصل الأول ، الآية التاسعة) ، وأخرج ابو الخير الحاكمي ، وصاحب (كنوز المطالب في بني أبي طالب) إن عليا دخل على النبي (ص) وعنده العباس ، فسلم فردّ عليه (ص) السلام وقام فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه.

فقال له العباس: أتحبه؟

قال (ص): يا عمّ! واللهِ اللهُ أشدّ حبا له مني ، إن الله (عز وجل) جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وجعل ذريتي في صلب هذا.

ورواه العلامة الكنجي الشافعي في كتابه: (كفاية الطالب الباب السابع) (24) بسنده عن ابن عباس.

وهناك مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة المعتبرة ، المروية في كتبكم ، المقبولة عند علمائكم ، تقول ، إن النبي (ص) كان يعبر عن الحسن والحسين عليهما السلام بأنهما ابناه ، ويعرفهما لأصحابه ويقول: هذان ابناي.

وجاء في تفسير: (الكشاف) وهو من أهم تفاسيركم ، في تفسير آية المباهلة: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء ، وهم: علي وفاطمة والحسنان ، لأنهما لما نزلت ، دعاهم النبي (ص) فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعلي خلفهما ، فعلم: إنهم المراد من الآية ، وإن أولاد فاطمة وذريتهم سيمون أبناءه ، وينسبون إليه (ص) نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة(25).

وكذلك الشيخ أبو بكر الرازي في (التفسير الكبير) في ذيل آية المباهلة ، وفي تفسير كلمة (أبناءنا) له كلام طويل وتحقيق جليل ، أثبت فيه أن الحسن والحسين هم أبنا رسول الله (ص) وذريته ، فراجع(26).

ثم قلت بعد ذلك: فهل يبقى ـ يا أيها الحافظ ـ بعد هذا كله ، محل للشعر الذي استشهدت به؟! بنونا بنو أبنائنا … الى آخره.

وهل يقوم هذا البيت من الشعر ، مقابل هذه النصوص الصريحة والبراهين الواضحة؟!

فلو اعتقد أحد بعد هذا كله ، بمفاد ذلك الشعر الجاهلي ـ الذي قيل في وصفه: إنه كفر من شعر الجاهلية ـ لردّه كتاب الله العزيز وحديث رسوله الكريم (ص).

ثم أعلم ـ أيها الحافظ ـ أن هذا بعض دلائلنا في صحة انتسابنا إلى رسول الله (ص) ، وبعض براهيننا على أننا ذريته ونسله ، ولذا يحق لنا أن نفتخر بذلك ونقول:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

الحافظ: إني أقر وأعترف بأن دلائلكم كانت قاطعة ، وبراهينكم ساطعة ، ولا ينكرها إلا الجاهل العنود ، كما وأشكركم كثيرا على هذه التوضيحات ، فلقد كشفتم لنا الحقيقة وأزحتم الشبهة عن أذهاننا.

صلاة العشاء

وهنا علا صوت المؤذن في المسجد وهو يعلن وقت صلاة العشاء ، والأخوة من العامة ـ بخلافنا نحن الشيعة ـ يوجبون التفريق بين صلاتي الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، وقد يجمعون أحيانا ، وذلك لسبب كالمطر والسفر.

لذا فقد تهيئوا جميعا للذهاب إلى المسجد ، فقال بعضهم: وبما أنّا نريد الرجوع بعد الصلاة إلى هذا المكان لمتابعة الحديث ، فالأحسن أن تقام جماعة في المسجد وجماعة في هذا المكان بالحاضرين ، حتى لا يفترق جمعنا ولا يفوت وقتنا ، فهذه فرصة ثمينة يجب أن نغتنمها.

فوافق الجميع على هذا الاقتراح ، وذهب السيد عبد الحي ـ إمام المسجد ـ ليقيم الجماعة فيه بالناس.

وأمّا الآخرون فقد أقاموا صلاة العشاء جماعة في نفس المكان واستمروا على ذلك بقية الليالي التالية أيضا.

مسالة الجمع أو التفريق بين الصلاتين

ولما استقرّ بنا المجلس بعد الصلاة ، خاطبني أحد الحاضرين ، ويدعى النواب عبد القيوم خان ، وكان يعد من أعيان العامة وأشرافهم ، وهو رجل مثقف يحب العلم والمعرفة ، فقال لي: في هذه الفرصة المناسبة التي يتناول العلماء فيها الشاي أستأذنكم لأطرح سؤالا خارجا عن الموضوع الذي كنا فيه ، ولكنه كثيرا ما يتردد على فكري ويختلج في صدري .

قلت: تفضل واسأل ، فإني مستعد للاستماع إليك.

النواب: كنت أحب كثيرا أن ألتقي بأحد علماء الشيعة حتى أسأله: أنه لماذا تسير الشيعة على خلاف السنة النبوية حتى يجمعون بين صلاتي الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء؟!

قلت .. أولا: السادة العلماء ـ وأشرت إلى الحاضرين في المجلس ـ يعلمون أن آراء العلماء تختلف في كثير من المسائل الفرعية ، كما أن أئمتكم ـ الأئمة الأربعة ـ يختلفون في آرائهم الفقهية فيما بينهم كثيرا ، فلم يكن إذن الاختلاف بيننا وبينكم في مثل هذه المسألة الفرعية شيئا مستغربا.

ثانيا: إن قولك: الشيعة على خلاف السنة النبوية ، ادّعاء وقول لا دليل عليه ، وذلك لأن النبي (ص) كان يجمع حينا ويفرق أخرى.

النواب ـ وهو يتوجه إلى علماء المجلس ويسألهم: أهكذا كان يصنع رسول الله (ص) يفرق حينا ويجمع أخرى؟

الحافظ: يلتفت إلى النواب ويقول في جوابه: كان النبي (ص) يجمع بين الصلاتين في موردين فقط: مورد السفر ، ومورد العذر من مطر وما أشبه ذلك ، لكي لا يشق على أمته.

وأما إذا كان في الحضر ، ولم يك هناك عذر للجمع ، فكان يفرّق ، وأظن أن السيد قد التبس عليه حكم السفر والحضر!!

قلت: كلا ، ما التبس عليّ ذلك ، بل أنا على يقين من الأمر ، وحتى أنه جاء في الروايات الصحيحة عندكم: بأن رسول الله (ص) كان يجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر.

الحافظ: ربما وجدتم ذلك في رواياتكم وتوهمتم أنها من رواياتنا!!

قلت: لا ، ليس كذلك ، فإن رواة الشيعة قد أجمعوا على جواز الجمع بين الصلاتين ، لأن الروايات في كتبنا صريحة في ذلك ، وإنما الكلام والنقاش يدور فيما بين رواتكم حول الجمع وعدمه ، فقد نقلت صحاحكم وذكرت مسانيدكم ، أحاديث كثيرة وأخبارا صريحة في هذا الباب.

الحافظ: هل يمكنكم ذكر هذه الروايات والأحاديث وذكر مصادرها لنا؟

قلت: نعم ، هذا مسلم بن الحجاج ، روى في صحيحه في باب (الجمع بين الصلاتين في الحضر) بسنده عن ابن عباس ، أنه قال: صلّى رسول الله (ص) الظهر والعصر جمعا ، والمغرب والعشاء جمعا ، في غير خوف ولا سفر.

وروى أيضا ، بسنده عن ابن عباس ، أنه قال: صلّيت مع النبي (ص) ثمانيا جمعا ، وسبعا جمعا(27).

وروى هذا الخبر بعينه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2 ص221 وأضاف إليه حديثا آخر عن ابن عباس أيضا ، أنه قال: صلى رسول الله (ص) في المدينة مقيما غير مسافر ، سبعا وثمانيا.

وروى مسلم في صحيحه أخبارا عديدة في هذا المجال ، إلى أن روى في الحديث رقم 57 ، بسنده عن عبدالله بن شقيق ، قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم ، فجعل الناس يقولون: الصلاة .. الصلاة! فلم يعتن ابن عباس بهم ، فصاح في هذه الأثناء رجل من بني تميم ، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة .. الصلاة!

فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك!

ثم قال: رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

قال عبدالله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا هريرة فسألته ، فصدّق مقالته.

وروى مسلم في صحيحه الحديث رقم 58 ، ذلك أيضا بطريق آخر عن عبدالله بن شقيق العقيلي ، قال: قال رجل لابن عباس ـ لما طالت خطبته: الصلاة! فسكت ، ثم قال: الصلاة! فسكت ، ثم قال: الصلاة! فسكت ، ثم قال: لا أم لك! أتعلمنا بالصلاة ، وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (ص)؟!

وروى الزرقاني وهو من كبار علمائكم ، في كتابه (شرح موطأ مالك ج1 ص 263 ، باب الجمع بين الصلاتين) عن النسائي ، عن طريق عمرو بن هرم ، عن ابن الشعثاء ، أنه قال: إن ابن عباس كان يجمع بين صلاتي الظهر والعصر ، وصلاتي المغرب والعشاء في البصرة ، وكان يقول هكذا صلى رسول الله (ص).

وروى مسلم في صحيحه ، ومالك في (الموطأ) وأحمد بن حنبل في (المسند) والترمذي في صحيحه في (باب الجمع بين الصلاتين) باسنادهم عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة ، من خوف ولا مطر ، فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟

قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته.

هذه بعض رواياتكم في هذا الموضوع ، وهي أكثر من ذلك بكثير ، ولكن ربما يقال: إن أوضح دليل على جواز الجمع بين الصلاتين ، من غير عذر ولا سفر ، هو أن علمائكم فتحوا بابا في صحاحهم ومسانيدهم بعنوان: (الجمع بين الصلاتين) وذكروا فيه الروايات التي ترخص الجمع مطلقا ، في السفر والحضر ، مع العذر وبلا عذر.

ولو كان غير ذلك ، لفتحوا بابا مخصوصا للجمع في الحضر وبابا مخصوصا للجمع في السفر ، وبما أنهم لم يفعلوا ذلك ، وإنما سردوا الروايات في باب واحد ، كان دليلا على جواز الجمع مطلقا!

الحافظ: ولكني لم أجد في صحيح البخاري روايات ولا بابا بهذا العنوان.

قلت .. أولا: إنه إذا روى سائر أصحاب الصحاح ـ غير البخاري ـ من مثل مسلم والترمذي والنسائي وأحمد بن حنبل ، وشرّاح صحيحي مسلم والبخاري ، وغيرهم من كبار علمائكم ، أخبارا وأحاديث في مطلب ما وأقروا بصحتها ، ألم تكن رواية أولئك كافية في إثبات ذلك المطلب ، فيثبت إذن هدفنا ومقصودنا؟!

وثانيا: إن البخاري أيد ذكر هذه الروايات في صحيحه ، ولكن بعنوان آخر ، وذلك في باب (تأخير الظهر إلى العصر) من كتاب مواقيت الصلاة ، وفي باب (ذكر العشاء والعتمة) وباب (وقت المغرب).

أرجو أن تطالعوا هذه الأبواب بدقة وإمعان حتى تجدوا أن كل هذه الأخبار والروايات الدالة على جواز الجمع بين الصلاتين منقولة هناك أيضا.

الجمع بين الصلاتين عند علماء الفريقين

والحاصل: إن نقل هذه الأحاديث من قبل جمهور علماء الفريقين ـ مع الإقرار بصحتها في صحاحهم ـ دليل على أنهم أجازوا الجمع ورخصوه ، وإلا لما نقلوا هذه الروايات في صحاحهم.

كما أن العلامة النوري في (شرح صحيح مسلم) والعسقلاني والقسطلاني وزكريا الأنصاري ، في شروحهم لصحيح البخاري ، وكذلك الزرقاني في (شرح موطأ مالك) وغير هؤلاء من كبار علمائكم ذكروا هذه الأخبار والروايات ، ثم وثقوها وصححوها، وصرحوا أنها تدل على الجواز والرخصة في الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر ولا مطر ، وخاصة بعد رواية ابن عباس وتقرير صحتها ، فإنهم علقوا عليها بأنها صريحة في جواز الجمع مطلقا ، وحتى لا يكون أحد من الأمة في حرج ومشقة.

النواب ـ وهو يقول متعجبا: كيف يمكن مع وجود هذه الأخبار والروايات المستفيضة والصريحة في جواز الجمع بين الصلاتين ، ثم يكون علماؤنا على خلافها حكما وعملا.

قلت ـ بديهي ، ومع كامل العذر على الصراحة ـ : إن عدم التزام علمائكم بالنصوص الصريحة والروايات الصحيحة التي لا تنحصر ـ مع كل الأسف ـ بهذا الموضوع فقط ، بل هناك حقائق كثيرة نص عليها النبي (ص) ، وصرح بها في حياته ، ولكنهم لم يلتزموا بها ، وإنما تأولوها وأخفوا نصها عن عامة الناس ، وسوف تنكشف لكم بعض هذه الحقائق خلال البحث والنقاش في موضوع الإمامة وغيره إن شاء الله تعالى.

وأما هذا الموضوع بالذات ، فإن فقهائكم لم يلتزموا ـ أيضا بالروايات التي وردت فيه مع صراحتها ، وإنما أولوها بتأويلات غير مقبولة عرفا.

فقال بعضهم: إن هذه الروايات المطلقة في الجمع بين الصلاتين لعلها تقصد الجمع في أوقات العذر ، مثل الخوف والمطر وحدوث الطين والوحل ، وعل هذا التأويل المخالف لظاهر الروايات أفتى جماعة كبيرة من أكابر متقدميكم ، مثل: الإمام مالك والإمام الشافعي وبعض فقهاء المدينة فقالوا: بعدم جواز الجمع بين الصلاتين إلا لعذر كالخوف والمطر!

ومع ان هذا التأويل يرده صريح رواية ابن عباس التي تقول: “جمع النبي (ص) بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، بالمدينة من غير خوف ولا مطر“.

وقال بعضهم الآخر في تأويل هذه الروايات المطلقة الصريحة في الجمع بين الصلاتين مطلقا ، حتى وغن كان بلا عذر ولا سفر: لعل السحاب كان قد غطى السماء ، فلم يعرفوا الوقت ، فلما صلوا الظهر وأتموا الصلاة ، زال السحاب وانكشف الحجاب ، فعرفوا الوقت عصرا ، فجمعوا صلاة العصر مع الظهر!!

فهل يصح ـ يا ترى ـ مثل هذا التأويل في أمر مهم مثل الصلاة ، التي هي عمود الدين؟!

وهل أن المؤولين نسوا أن المصلي ـ في الرواية ـ هو رسول الله (ص) وأن وجود السحاب وعدمه لا يؤثر في علم النبي (ص) ، الذي يعلم من الله تعالى ، وينظر بنور ربه (عز وجل)؟!

وعليه فهل يجوز أن نحكم في دين الله العظيم استنادا إلى هذه التأويلات غير العرفية ، التي لا دليل عليها سوى الظن المرجوح! وقد قال تعال: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (28).

إضافة إلى ذلك ما الذي تقولونه في جمع النبي (ص) بين صلاتي المغرب والعشاء ، مع أنه لا أثر حينها للسحاب وعدمه فيه؟!

إذن فهذا التأويل وغيره من التأويلات ، خلاف ظاهر الروايات ، وخلاف صريح الخبر القائل: “إن ابن عباس استمر في خطبته حتى بدت النجوم ، ولم يبال بصياح الناس: الصلاة .. الصلاة ، ثم ردّ ابن عباس على التميمي بقوله: أتعلمني بالسنة؟! لا أم لك! رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء” ثم تصديق أبي هريرة لمقالة ابن عباس.

وعليه: فإن هذه التأويلات غير معقولة ولا مقبولة عندنا ، وكذا غير مقبولة عند كبار علمائكم أيضا ، إذ أنهم علقوا عليها: بأنها خلاف ظاهر الروايات.

فهذا شيخ الإسلام الانصاري في كتابه (تحفة الباري في شرح صحيح البخاري في باب صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء آخر ص 292 في الجزء الثاني) وكذا العلامة القسطلاني في كتابه (إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري في ص293 من االجزء الثاني) وكذا غيرهما من شراح صحيح البخاري ، وكثير من محققي علمائكم ، قالوا: هذه التأويلات على خلاف ظاهر الروايات ، وإن التقيد بالتفريق بين الصلاتين ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص.

النواب: إذن فمن أين جاء هذا الاختلاف الذي فرق بين الأخوة المسلمين إلى فرقتين متخاصمتين ، ينظر بعضهم إلى الآخر بنظر البغض والعداء ، ويقدح بعضهم في عبادة البعض الآخر؟!

قلت .. أولا: بما أنك قلت بأن المسلمين صاروا فريقين متعاديين ، أوجب عليّ الوقوف قليلا عند كلمة: متعاديين ، لنرى معا هل العداء ـ كما قلت ـ كان من الطرفين ، أو من طرف واحد؟

وهنا لا بد لي ـ وأنا واحد من الشيعة ـ ان أقول دفاعا عن الشيعة ـ أتباع أهل البيت عليهم السلام ، وإزاحة لهذه الشبهة عنهم: بأنّا نحن معاشر الشيعة ، لا ننظر إلى أحد من علماء العامة وعوامهم بعين التحقير والعداء ، بل نعدهم إخواننا في الدين.

وذلك بعكس ما ينظره بعض العامة إلينا تماما ، إذ أنهم يرون أن الشيعة أعداءهم ، فيتعاملون معهم معاملة العدو لعدوه ، ولم تأتهم هذه النظرة بالنسبة إلى شيعة آل محمد (ص) ، وأتباع مذهب أهل بيت رسولهم الكريم ، إلا بسبب التقوّلات والأباطيل التي نشرت ضدهم بواسطة الخوارج والنواصب وبني أمية وأتباعهم من أعداء النبي (ص) وأعداء آله الكرام (ص) وبسبب الاستعمار ـ في يومنا هذا ـ الذي هو ألد أعداء الإسلام والمسلمين ، والذي يخشى على منافعه ومطامعه من وحدة المسلمين واجتماعهم.

ومع الأسف الشديد فإن هذه التضليلات العدوانية أثّرت في قلوب وأفكار بعض أهل السنة ، حتى نسبونا على الكفر والشرك !

ويا ليت شعري هل فكروا في أنهم بأي دليل ذهبوا إلى هذا المذهب وفرقوا بين المسلمين؟!

ألم يفكروا في نهي الله تعالى المسلمين عن التفرقة بقوله: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (29)؟

ثم أليس الله عز وجل ، وحده لا شريك له ، ربنا جميعا ، والإسلام ديننا ، والقرآن كتابنا ، والنبي الكريم محمد (ص) خاتم النبيين وسيد المرسلين نبينا ، وقوله وفعله وتقريره سنتنا ، وحلاله حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، وأن الحق ما حققه ، والباطل ما أبطله ، ونوالي أولياءه ، ونعادي أعداءه ، والكعبة مطافنا وقبلتنا جميعا ، والصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، والزكاة الواجبة وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، فرائضنا ، والعمل بجميع الأحكام والواجبات والمستحبات وترك الكبائر والمعاصي والذنوب مرامنا؟

ألستم معنا في هذا كله؟

أم أن شرعنا أو شرعكم ، وإسلامنا وإسلامكم غير ما بيناه من الدين المبين؟؟!

وأنا على علم ويقين بأنكم توافقوننا في كل ما ذكرناه ، وإن كان بيننا وبينكم شيء من الخلاف فهو كالخلاف الموجود فيما بينكم وبين مذاهبكم ، فنحن وأنتم في الإسلام سواء (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (30).

إذن فلماذا صار بعض العامة ينسبوننا إلى ما لا يرضى به الله ورسوله ، ويبغون الفرقة بيننا وبينهم ، وينظرون إلينا بنظر العداوة والبغضاء؟! وهذا ما يتربصه بنا أعداء الإسلام ويريده لنا الشيطان ، شياطين الإنس والجن ، قال تعالى في ذلك: (… شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول … ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ….) (31).

وقال تعالى: (إنما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر….) (32). فتارة يوقع الشيطان العداوة والبغضاء بين المسلمين بواسطة الخمر والميسر ، وتارة بواسطة التسويلات والأوهام التي يلقيها في قلوبهم عبر التهم والأباطيل التي ينشرها شياطين الإنس في أوساطهم.

ثانيا .. سالت: من أين جاء هذا الاختلاف؟

فإني أقول لك وقلبي يذوب حسرة وأسفا: لقد جاء هذا وغيره من الاختلافات الفرعية على أثر اختلاف جذري وخلاف أصولي ، ليس هذا الوقت مناسبا لذكره ، ولعلنا نصل إليه في مباحثنا الآتية فنتعرض له إذا دار النقاش حوله ، وحين ذاك ينكشف لكم الحق وتعرفون الحقيقة إن شاء الله تعالى.

ثالثا: وأما بالنسبة إلى مسألة الجمع والتفريق بين الصلاتين ، فإن فقهاءكم بالرغم من أنهم رووا الروايات الصحيحة والصريحة في الرخصة وجواز الجمع لأجل التسهيل ورفع الحرج عن الأمة ، أولوها ـ كما عرفت ـ ثم أفتوا بعدم جواز الجمع من غير عذر أو سفر، حتى أن بعضهم ـ مثل أبي حنيفة وأتباعه ـ أفتوا بعدم جواز الجمع مطلقا حتى مع العذر والسفر(33).

ولكن المذاهب الأخرى من الشافعية والمالكية والحنابلة على كثرة اختلافاتهم الموجودة بينهم في جميع الأصول والفروع أجازوا الجمع في الأسفار المباحة كسفر الحج والعمرة ، والذهاب إلى الحرب ، وما أشبه ذلك.

وأما فقهاء الشيعة ، فأنهم تبعا للأئمة الأطهار من آل النبي المختار (ص) ـ الذين جعلهم رسول الله (ص) ميزانا لمعرفة الحق والباطل ، وعدلا للقرآن ، ومرجعا للأمة في حل الاختلاف ، وصرح بأن التمسك بهم وبالقرآن معا أمان من الفرقة والضلالة بعده ـ أفتوا بجواز الجمع مطلقا ، لعذر كان أم لغير عذر ، في سفر كان أم في حضر ، جمع تقديم في أول الوقت ، أم جمع تأخير في آخر الوقت ، وفوّضوا الخيار في الجمع والتفريق إلى المصلّي نفسه تسهيلا عليه ودفعا للحرج عنه ، وبما أن الله يحب الأخذ برخصه ، اختارت الشيعة الجمع بين الصلاتين ، حتى لا يفوتهم شيء من الصلاة غفلة أو كسلا ، فجمعوا تقديما ، أو تأخيرا.

ولما وصل الكلام في الجواب عن الجمع بين الصلاتين إلى هنا قلت لهم: أرى الكلام عن هذه المسألة بهذا المقدار كافيا ، فإني أظن بأن الشبهة قد ارتفعت عن أذهانكم وانكشف لكم الحق ، وعرفتم: أن الشيعة ليسوا كما تصورهم البعض أو صوروهم لكم ، بل إنهم إخوانكم في الدين ، وهم ملتزمون بسنة النبي الكريم وبالقرآن الحكيم(34).

عود على بدء

قلت: والآن أرى أن من الأفضل أن نعود إلى حوارنا السابق ، ونتابع حديثنا حول المسائل الأصولية المهمة ، فإن هناك مسائل أصولية أهم من هذه المسائل الفرعية ، فإذا توافقنا على تلك المسائل الأصولية ، فالموافقة على أمثال هذه المسائل الفرعية حاصلة بالتبع.

الحافظ: إنني فرح بمجالسة عالم فاضل ومفكر نبيل ، ومحادثة متفكر ، ذي اطلاع وافر على كتبنا ورواياتنا مثل جنابكم ، فقد بان لي فضلكم وعلمكم في أول مجلس جلسناه معكم ، وكما تفضلتم فإن من الأفضل ـ الآن ـ أن نتابع حديثنا السابق.

غير أنني أستأذن سماحتكم لأقول متسائلا: لقد ثبت لنا بكلامكم الشيق ، وبيانكم العذب ، أنكم من الحجاز ، ومن بني هاشم ، فأحب أن أعرف ـ أنكم مع هذا النسب الطاهر والأصل المنيف ـ ما حدا بكم حتى هاجرتم من الحجاز وعلى الخصوص من المدينة المنورة ، مدينة جدكم ومسقط رأسكم وسكنتم في إيران؟!

ثم في أي تاريخ تم ذلك ولماذا؟!

قلت إن أول من هاجر من آبائي إلى إيران هو الأمير السيد محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه الصلاة والسلام) ، وكان فاضلا تقيا ، عابدا زاهدا ، ولكثرة عبادته ـ إذ أنه كان قائم الليل وصائم النهار وتاليا للقرآن الكريم في أكثر ساعات ليله ونهاره ـ لقب بالعابد ، وكان يحسن الخط ويجيد الكتابة ، فصار يستغل فراغه باستنساخ وكتابة المصحف المبارك ، وكان ما يأخذه من حق مقابل كتابته يعيش ببعضه ، ويشتري بالزائد منه مماليك وعبيدا ويعتقهم لوجه الله (عز وجل) ، حتى أعتق عددا كبيرا منهم بذلك.

ولما أدركته الوفاة وارتحل من الدنيا ودفن في مضجعه ، أصبح مرقده الشريف وإلى هذا اليوم مزارا شريفا لعامة المؤمنين في مدينة شيراز.

وأمر ابن الأمير أويس ميرزا معتمد الدولة ، ثاني أولاد الحاج فرهاد ميرزا معتمد الدولة ـ عم ناصر الدين شاه قاجار ـ بنصب ضريح فضي ثمين على القبر الشريف ، وأمر بروضته المباركة ـ وهي مسجد لأداء الفرائض اليومية وإقامة الجماعة ، وتلاوة آيات الكتاب الكريم ، وقراءة الأدعية والصلوات المستحبة ، أمر أن تزين بالمرايا وأنواع البلاط والرخام ، ليكون مأوى الزائرين ، الذين يفدون إلى زيارة المرقد الشريف من كل صوب ومكان.

الحافظ: ما هو سبب هجرته من الحجاز إلى شيراز؟!

قلت: إن في أواخر القرن الثاني من الهجرة ، حينما أجبر المأمون الإمام علي بن موسى الرضا (عليه الصلاة والسلام) على الرحيل من مدينة جده رسول الله (ص) والهجرة إلى خراسان ، وفرض عليه الإقامة في طوس ، وذلك بعد أن قلده ولاية العهد كرها ، وقع الفراق بين الإمام الرضا (ع) وبين ذويه وإخوته.

ولما طال الفراق ، اشتاق ذووه واخوته وكثير من بني هاشم إلى زيارته (ع) فاستأذنوه (ع) في ذلك فأذن لهم.

كما وبعثوا كتابا إلى المأمون يطلبون منه الموافقة على سفرهم إلى طوس لزيارة أخيهم وإمامهم الرضا (ع) ، حتى لا يصدهم المأمون وجلاوزته وعماله عن قصدهم ، ولا يتعرضوا لهم بسوء ، فوافق المأمون على ذلك ، وأبدى لهم رضاه ، فشدوا الرحال ، وعزموا على السفر لزيارة الإمام الرضا (ع) ، فتحركت قافلة عظيمة تضم أبناء رسول الله (ص) وذريته ، وتوجهت من الحجاز نحو خراسان ، وذلك عن طريق البصرة والأهواز وبوشهر وشيراز … إلى آخره.

وكانت القافلة كلما مرت ببلد فيها من الشيعة والموالين لآل رسول الله (ص) انضم قسم كبير منهم إلى القافلة الهاشمية ، التي كان على رأسها السادة الكرام من أخوة الإمام الرضا (ع) ، وهم: الأمير السيد أحمد المعروف بـ (شاه جراغ) والأمير السيد محمد العابد وهو (جدنا الأعلى) والسيد علاء الدين حسين ، أبناء الإمام موسى بن جعفر (ع) ، فكان الناس يلتحقون بهم طوعا ورغبة لينالوا زيارة إمامهم الرضا (ع).

وعلى أثر ذلك ذكر المؤخرون: بأن هذه القافلة حينما قربت من شيراز بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة عشر ألف إنسان ، بين رجل وامرأة ، وصغير وكبير ، وقد غمرهم جميعا شوق اللقاء ، وفرحة الوصال والزيارة.

فأخبر الجواسيس وعمال الحكومة المأمون في طوس بضخامة القافلة وكثرة أفرادها ، وحذروه من مغبة وصولها إلى مركز الخلافة طوس ، فأوجس المأمون ـ من الأخبار الواصلة إليه عن القافلة الهاشمية ـ خيفة ، وأحس منها بالخطر على مقامه ومنصبه.

فأصدر أوامره إلى جواسيسه في الطريق ، وإلى حكامه على المدن الواقعة في طريق القافلة الهاشمية ، يأمرهم فيها بأن يصدوا القافلة عن المسير أينما وجدوها ، وأن يمنعوها من الوصول إلى طوس وكانت القافلة قد وصلت قريبا من شيراز حين وصل أمر الخليفة إلى حاكمها بصدها ، فاختار الحاكم سريعا وعلى الفور أحد جلاوزته المسمى (قتلغ خان) وكان شديدا قاسيا ، وأمره على أربعين ألف مقاتل ، وأمرهم بصد القافلة الهاشمية وردها إلى الحجاز.

فخرج هذا الجيش الجرار من شيراز باتجاه طريق القافلة وعسكر في (خان زنيون) وهو منزل يبعد عن شيراز ، ثلاثين كيلو متر تقريبا ، وبقوا يترصدون القافلة ، وفور وصول القافلة إلى المنطقة وهي في طريقها إلى شيراز باتجاه طوس ، بعث القائد (قتلغ خان) رسولا إلى السادة الأشراف ، وبلغهم أمر الخليفة ، وطلب منهم الرجوع إلى الحجاز من مكانهم هذا فورا .

فأجابه الأمير السيد أحمد ـ وهو كبيرهم ـ قائلا:

أولا: نحن لا نقصد من سفرنا هذا إلا زيارة أخينا الإمام الرضا (ع) في طوس.

وثانيا: نحن لم نخرج من المدينة المنورة ، ولم نقطع هذه المسافة البعيدة إلا بإذن من الخليفة وبموافقة منه ، ولهذا فلا مبرر لصدنا عن المسير.

ذهب الرسول وبلغ مقالته إلى (قتلغ) ثم رجع وهو يقول: إن القائد (قتلغ) أجاب قائلا: بأن الخليفة أصدر إلينا أوامر جديدة تحتم علينا وبكل قوة أن نمنعكم من السفر إلى طوس ، ولعلها أوامر أخرى اقتضتها الظروف الراهنة ، فلا بد لك أن ترجعوا من هنا إلى الحجاز.

التشاور دأب النبلاء

وهنا أخذ الأمير السيد أحمد يشاور اخوته وغيرهم من ذوي الرأي والحجى من رجال القافلة في الأمر ، فلم يوافق أحد منهم على الرجوع ، وأجمعوا على مواصلة السفر إلى خراسان مهما كلفهم الأمر ، فجعلوا النساء في مؤخرة القافلة ، والأقوياء من الرجال المجاهدين في المقدمة ، وأخذوا يواصلون سفرهم.

وتحرك (قتلغ خان) بجيشه وقطع عليهم الطريق ، وكلما نصحهم السادة أبناء رسول الله (ص) بتخلية الطريق لم ينفعهم نصحهم ، وانجر الموقف إلى المناوشة والمقاتلة ، ومنها شبت نيران الحرب والقتال بين الطرفين ، فحمى الوطيس وانهزم جيش المأمون على أثر مقاومة بني هاشم وشجاعتهم.

فتوسل (قتلغ خان) بالمكر والخديعة وأمر جماعة من رجاله أن يصعدوا على التلال وينادوا بأعلى أصواتهم: يا أبناء علي وشيعته! إن كنتم تظنون أن الرضا سوف يشفع لكم عند الخليفة ، فقد وصلنا خبر وفاته ، وجلوس الخليفة في عزاءه ، فلماذا تقاتلون؟! فإن الرضا قد مات!!

أثرت هذه الخديعة أثرا كبيرا في انهيار معنويات المقاتلين والمجاهدين ، فتفرقوا في ظلام الليل وتركوا ساحة القتال ، وبقي أبناء الرسول (ص) وحدهم ، فأمر الأمير السيد أحمد اخوته ومن بقي معه أن يرتدوا ملابس أهل القرى ويتزيّوا بزيهم ، ويتفرقوا في سواد الليل ، ويتنكبوا عن الطريق العام حتى يسلموا على أنفسهم ولا يقعوا في يد (قتلغ خان) ورجاله ، فتفرقوا من هنا وهناك ، في الجبال والقفار مشردين مطاردين.

وأما الأمير السيد أحمد ، وكذا السيد محمد العابد ، والسيد علاء الدين ، فقد دخلوا شيراز مختفين ، وانفرد كل منهم في مكان منعزل وانشغل في عبادة ربه.

نعم يقال: أن المراقد المنسوبة إلى أل النبي (ص) في إيران وخاصة النائية منها في القرى وبين الجبال ، أكثرها لأصحاب تلك الوقعة الأليمة.

ترجمة الأمير السيد أحمد

الأمير السيد أحمد هو أخ الإمام الرضا (ع) ، وأفضل أولاد أبيه بعد أخيه الإمام علي بن موسى الرضا (ع) ، وأورعهم وأتقاهم.

وهو الذي اشترى في حياته ألف عبد مملوك وأعتقهم لوجه الله ، ويلقب باللقب المعروف (شاه جراغ) وبعد أن نجاه الله من تلك المعركة ، توجه مختفيا مع أخويه إلى شيراز ، وأقاموا فيها متنكرين متفرقين.

ونزل السيد أحمد في شيراز عند أحد الشيعة في محلة (سردزك) وهو المكان الذي فيه مرقده الآن ، واختفى في بيت ذلك الموالي واشتغل بالعبادة.

وأما (قتلغ خان) فقد جعل العيون والجواسيس في كل مكان لاستقصاء أخبار السادة المشردين والعثور عليهم ، وبعد سنة تقريبا عرف مكان السيد أحمد فحاصره مع رجاله ، وأبى السيد أن ينقاد ويستسلم لعدوه ، فقاتلهم ذابا عن نفسه ، وأبدى شجاعة وشهامة هاشمية ، أعجبت الناس كلهم ، وكان كلما ضعف عن الحرب يلتجئ إلى منزله فيستريح فيه لحظات ثم يخرج ويدافع عن نفسه.

فلما رأى (قتلغ) أنهم لا يستطيعون القضاء عليه عبر المواجهة المسلحة، احتالوا عليه بالدخول إلى بيت جيرانه والتسلل إليه عبر ثغرة أحدثوها من بيت الجيران ، فلما دخل السيد بيته ليستريح فيها قليلا ، خرجوا وغدروا به ، فضربوه بالسيف على رأسه، فخر صريعا ، ثم أمر(قتلغ خان)، فهدموا البيت على ذلك الجسد الشريف وبقي تحت التراب والأنقاض.

ولما كان أغلب الناس في ذلك الزمان من المخالفين ، ولم يكونوا شيعة لآل محمد (ص) إلا القليل منهم ، وذلك على أثر الأكاذيب التي كانت تنشر بواسطة الدولة ورجالها ضدهم ، لم يرعوا حرمة ذلك المكان ، ولا حرمة الجسد الشريف ، ولم يرقبوا فيه رسول الله (ص) بل تركوه مدفونا تحت الأنقاض وأكوام التراب.

اكتشاف الجسد الشريف

وفي أوائل القرن السابع الهجري دخلت شيراز في ظل حكومة الملك أبي بكر بن سعد مظفر اليدن ، وكان مؤمنا صالحا يسعى لنشر الدين الإسلامي الحنيف ، ويكرم العلماء ، ويحترم المؤمنين الأتقياء ، ويحب السادة الشرفاء ، وكما قيل: (الناس على دين ملوكهم) كان وزراؤه ورجال دولته مثله ـ أيضا ـ مؤمنين أخيار ومنهم: الأمير مسعود بن بدر الدين ، وكان كريما يحب عمران البلاد وإصلاح حال العباد ، فعُني بتجميل مدينة شيراز وتنظيفها من الأوساخ ، وتجديد بناياتها وإصلاح خرائبها ، إذ أن شيراز كانت عاصمة ملكهم.

فأمر في جملة ما أمر بإصلاحه ، وتجديد البناء فيه ـ إعمار المكان الذي يضم جسد الأمير السيد أحمد منذ قرون ، فلما جاء عماله ومستخدموه إلى المكان وانهمكوا بنقل التراب والأنقاض منه إلى خارج البلد ، وصلوا أثناء العمل إلى جسد طري لشاب جسيم وسيم ، قد قتل على أثر ضربة على رأسه انفلت هامته ، فأخرجوه من بين الأنقاض وأخبروا الأمير مسعود بذلك ، فجاء هو بصحبة جماعة من المسؤولين للتحقيق في الموضوع.

وبعد الفحص الكثير ، والتنقيب عن وجود أثر يدل على هوية الشاب القتيل عثروا على خاتم له كان قد نقش عليه: “العزة لله ، أحمد بن موسى” فأذعنوا لما أمروا ذلك ـ إضافة إلى ما كانوا قد سمعوه عن تاريخ ذلك المكان ـ أيضا ـ من أخبار الشجاعة الهاشمية التي أبداها أولاد رسول الله (ص) أنفسهم في الواقعة الأليمة التي دارت هناك وأدت أخيرا إلى شهادة أحمد بن موسى عليه السلام ـ ان هذا الجسد هو جسد الأمير السيد أحمد بن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام.

ولما شاهد الناس أن الجسد الشريف قد أخرج من تحت الأنقاض وأكوام التراب وذلك بعد أربعمائة عام من تاريخ شهادته وهو على نضارته طريا لم يتغير ، عرفوا أن صاحبه ولي من أولياء الله تعالى ، وأيقنوا بحقانية التشيع مذهب أهل بيت رسول الله (ص) ، إذ أنه كان من أولاد الرسول وعلى مذهب أهل البيت الذي استشهد في سبيله ومن أجله ، فتشيع على أثر ذلك كثير من اهل شيراز.

ثم أمر مسعود بن بدر الدين ، أن يدفنوا الجسد الطاهر في نفس المكان الذي عثروا عليه فيه ، بعد أن حفروا له قبرا وصلوا عليه ، ودفنوه في قبره مجللا محترما بحضور العلماء وأعيان شيراز ، كما وأمر أن يشيدوا على مرقده عمارة عالية ذات رحبة واسعة لتكون مأوى للزائرين والوافدين وبقيت كذلك حتى توفي الملك مظفر الدين سنة 658هـ.

وفي عام 750هـ لما آلت السلطة على بلاد فارس إلى الملك إسحاق بن محمود شاه ودخل شيراز ، كانت أمه معه ، وهي الملكة (تاشي خاتون) وكانت امرأة صالحة ، فتشرفت بزيارة ذلك المرقد الشريف ، وأمرت بترميم الروضة المباركة وإصلاحها ، كما وأمرت ببناء وتشييد قبة جميلة جدا فوق مرقده ، وجعلت قرية (ميمند) الواقعة على بعد ما يقرب من ثمانين كيلو مترا عن مدينة شيراز وقفا عليه ، وأمرت بأن يصرف واردها على تلك البقعة المباركة ، وهي باقية إلى يومنا هذا ، حيث يعمل المتولون لها على قرار الوقف وينفقون واردها في شؤونه ، ومحصولها حتى اليوم: ماء ورد معروف بجودته وطيبه في العالم.

ترجمة الأمير السيد علاء الدين حسين

السيد علاء الدين هو أيضا من إخوة الإمام الرضا عليه السلام ، ومن أبناء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ، وهو الذي دخل بصحبة أخويه متسترا إلى شيراز وفارقهما مختفيا في مكان لا يعرفه أحد ، واشتغل فيه بالعبادة.

ثم مضت مدة من الزمن وهو مختف ، وكان بالقرب من محل اختفائه بستان (لقتلغ خان) والسيد لا يعرف أنها لقتلغ خان ، فضاقت به الدنيا يوما وضاق صدره ، فخرج من مخبئه وأطل على البستان لينفس عن ضيق صدره ويروح نفسه قليلا ، فجلس في زاوية واشتغل بتلاوة القرآن ، فعرفه رجال قتلغ العاملون في البستان ، فحملوا عليه ، ولم يمهلوه حتى قتلوه والقرآن في يده وآياته على شفتيه ، فما هالهم إلا أن رأوا أن الأرض تنشق وتضم جسده الشريف وتخفيه عنهم حتى مصحفه الذي كان في يديه.

مرت أعوام كثيرة على هذه الواقعة الأليمة ، ومات قتلغ وانمحى أثر البستان ، وتبدلت حكومات ودول كثيرة في بلاد فارس ، حتى جاء عهد الدولة الصفوية.

وفي عهد الصفويين اتسعت مدينة شيراز حتى وصلت البيوت إلى الأرض التي ضمت جسد السيد علاء الدين ، فعندما كانوا يحفرون فيها لوضع أساس للبناء ، عثروا على جثة شاب جميل كأنه قتل من ساعته ، واضعا يده على قبضة سيفه والمصحف الكريم على صدره، فعرفوا مما لديهم من العلائم والشواهد ، أنه السيد علاء الدين حسين بن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ـ فقيل: إنهم وجدوا اسمه مكتوبا على جلد المصحف الكريم ـ فدفنوه بعد الصلاة عليه في محله.

وأمر حاكم شيراز أن يبنوا على قبره الشريف مكانا عاليا وبناءا رفيعا ليتسع للمؤمنين الموالين الذين يتوافدون لزيارته من كل صوب ومكان.

وبعد ذلك جاء رجل من المدينة المنورة ـ يدعى الميرزا علي المدني ـ لزيارة مراقد السادة الشرفاء ، وكان ثريا ومن الموالين لأهل البيت وذراريهم ، فقام بتوسيع البناء على مرقد السيد علاء الدين ، وشيد عليه قبة جميلة ، واشترى أملاكا كثيرة فجعلها وقفا على ذلك المرقد الشريف ، وأمر بصرف وارداتها بشؤونه ، كما أوصى بأن يدفن بعد موته في جوار السيد علاء الدين ، فلما مات دفنوه هناك ، وقبره اليوم في تلك البقعة المباركة معروف ، وقد كتب عليه اسمه ، وهو: (ميرزا علي المدني) ولا يزال المؤمنون يزورونه ويقرأون له الفاتحة.

ثم إنه بعد ذلك أمر الملك إسماعيل الصفوي الثاني بتزيين ذاك البناء المشيد وترميمه بأحسن وجه ، فنصبوا الكاشي والمرايا وزينوا الروضة المباركة بأفضل زينة ، وهو إلى الآن مزار عظيم ومشهد كريم ، يقصدون المؤمنون من كل أنحاء إيران وغيرها ، وأهالي شيراز يكنون له غاية الاحترام والتكريم.

قال بعض النسابة: إن السيد علاء الدين كان عقيما لا نسل له ، وقال بعض آخر: كان له نسل ولكن انقرضوا ، ولم يبق له منهم عقب وذرية.

وكذلك الكلام في أخيه الأكبر السيد أحمد فقد قالوا في حقه: إنه لم يكن له أولاد ذكور ، بل كانت له بنت واحدة فقط ، وذلك على ما في كتاب (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب).

وقال بعض: كان للسيد أحمد أولاد ذكور أيضا.

ترجمة الأمير السيد محمد العابد

السيد محمد ، الملقب بالعابد ، هو: ثالث إخوة الإمام الرضا عليه السلام ورابع أولاد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ، وهو الذي دخل شيراز بصحبة أخويه ، الأمير السيد أحمد والسيد علاء الدين حسين ، وفارقهما إلى مكان مجهول ، مختفيا ومتنكرا لا يعرفه أحد ، يعبد الله تعالى فيه حتى وافاه الأجل ومات موتا طبيعيا ودفن فيها ، ومن كثرة عبادته لقب بالعابد.

خلف أولادا أجلاء ، أفضلهم من حيث العلم والتقوى ، والزهد والورع هو: السيد إبراهيم المعروف بـ (المجاب).

لقب بهذا اللقب لأنه عندما تشرف بزيارة قبر جده الإمام أمير المؤمنين علي (ع) ، ووقف مسلما عليه ، أتاه جواب سلامه من داخل القبر الشريف ، فسمعه هو ومن حوله ، وعلى اثر هذه المنقبة أجله الناس وعظموه واحترموه ، ولقبوه بالمجاب ، وبعد وفاة أبيه السيد محمد العابد توجه إلى زيارة العتبات المقدسة ، وسكن بجوار قبر جده الشهيد الإمام الحسين (ع) ، وقريبا من قبر جده أمير المؤمنين علي (ع) ليزورهما أيما وقت شاء.

وكان موضع قبر الإمام أمير المؤمنين (ع) قد ظهر حديثا وعرف في ذلك الزمان بعد ما كان مجهولا على الناس طيلة مائة وخمسين سنة تقريبا ، فظهر بكرامة قدسية لتلك البقعة المباركة ، وصار خبره آنذاك حديث اليوم ، يتناقله الناس في المحافل والمجالس.

الحافظ: عجيب!

في أي حال كان مرقد أمير المؤمنين كرم الله وجهه منذ دفنه إلى ذلك الزمان ، حتى اكتشف بعد مائة وخمسين سنة ، هل كان مخفيا على المسلمين طيلة هذه المدة؟! ولماذا أخفي عنهم؟؟!

قلت: لما استشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام كان ذلك في زمن طغى فيه بنو أمية ، ولما كان عليه السلام يرى بنور الله أن ستمتد حكومة معاوية بعده من الشام إلى الكوفة ، أوصى أن يدفن ليلا بلا علم من أحد ، وأمر بأن يعفى موضع قبره ، لذلك لم يحضر دفنه إلا أولاده وخواص شيعته.

ولكي يشتبه الأمر على الناس ويبقى محل القبر مجهولا عليهم ، جهزوا في صبيحة يوم 21 من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة بعيرين وعقدوا عليهما نعشين ، بعثوا أحدهما إلى مكة ، والآخر إلى المدينة ، وهكذا نفذت وصية أمير المؤمنين عليه السلام وأخفى موضع قبره عليه السلام عن عامة الناس.

الحافظ: هل يمكنك أن تخبرني ما هو سبب هذه الوصية؟

وما الحكمة في الإصرار على إخفاء القبر؟!

لماذا دفن الامام علي (ع) سرا؟

قلت نحن لا نعلم السبب والحكمة بالضبط ، ربما كان ذلك لما يعلمه (ع) من حقد بني أمية وعدائهم الدفين للنبي (ص) ولآله (ع) خاصة ، فانه كان من المحتمل أن ينبشوا القبر الشريف ويسيئوا الأدب مع الجسد الطاهر ، وهو ظلم دونه كل ظلم!!

الحافظ: هذا الكلام الغريب منكم وبعيد جدا ، كيف يمكن لإنسان أن يتعدى على قبر مسلم بعد موته ودفنه ، إنه لا يكون مهما كان بينهم من العداء والبغضاء؟!

قلت: ولكن ذلك ليس ببعيد من بني أمية!!

اما طالعت تاريخهم الأسود وماضيهم الحقود؟!

أما قرأت جرائمهم الفظيعة وأعمالهم الفجيعة ، التي يندى منها جبين الأنسانية خجلا ، وتدمع عينها أسفا؟؟!

أما علمت أن هذه العصبة الخبيثة والشجرة الملعونة في القرآن ، لما قبضوا على زمام الحكم وغصبوا الخلافة ، كم من أبواب جور فتحوا؟! وكم من جناية وغواية ابتدعوا؟! وكم من دم سفكوا؟! وأعراض هتكوا؟! وأموال نهبوا؟! وحرما انتهكوا؟!

إن أولئك البعداء عن الإسلام والإنسانية ، لم يراعوا شيئا من الدين والأخلاق الحميدة في حركاتهم وسكناتهم ، فكانوا يتصرفون في شؤون المسلمين حسب أهوائهم وآرائهم الفاسدة ، وإن كثيرا من كبار علمائكم ومؤرخيكم سجلوا جرائم هذه الطغمة الفاسدة بحبر من عرق الخجل ، على أوراق العار والفشل ، بقلم الخوف والوجل !

ولقد ألف العلامة أبو العباس أحمد بن علي المقريزي الشافعي كتابه المشهور (النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم) وذكر فيه بعض أعمال بني أمية القبيحة وجرائمهم الفظيعة، فانهم لم يرحموا حيا ولم يحترموا ميتا من شيعة آل الرسول (ص) ، الموالين لعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) وأولاده الغر الميامين.

وهنا اسمحوا لي أن أذكر لكم ـ كنموذج على ذلك ـ مثالين من هذا الكتاب ، حتى تطلعوا على الجرائم البشعة لبني أمية ، وتعرفوا حقيقة أمرهم ، كي لا تتعجبوا من كلامي ولا تستغربوه ، وتعرفوا أن ما أقوله لكم إنما هو عن دليل وبرهان !

شهادة زيد بن علي (ع)

قال المقريزي وغيره من المؤرخين: لما هلك يزيد بن عبد الملك ، تولى الحكم أخوه هشام ، فبدأ بالجور والعدوان على أهل البيت (ع) وشيعتهم ، فكتب إلى عماله بالتضييق عليهم وسجنهم والفتك بهم ، وأمر عامله على الكوفة يوسف بن عمر الثقفي ، أن يهدم دار الكميت شاعر أهل البيت (ع) وأن يقطع لسانه ، لأنه مدح آل الرسول (ص)!!

وكتب إلى عامله على المدينة خالد بن عبدالملك بن الحارث: أن يحبس بني هاشم فيها ويمنعهم من السفر! فنفذ خالد أمر هشام ، وضيق على الهاشميين ، وأسمع زيد بن الإمام زين العابدين ما يكره ، فخرج زيد إلى الشم لشكو خالدا إلى هشام ، فأبى هشام أن يأذن له، فأرسل إليه زيد رسالة يطلب الإذن بها له ، فكتب هشام في أسفلها: إرجع الى أرضك ، فقال زيد: والله لا أرجع ، وأخيرا أذن له هشام وأمر خادما أن يتبعه ويحصي ما يقول ، فسمعه يقول: والله ما أحب الدنيا أحد إلا ذل.

وأمر هشام جلساؤه أن يتضايقوا في المجلس حتى ل يقرب منه.

فلما دخل زيد لم يجد موضعا يجلس فيه ، فعلم أن ذلك قد فعل عمدا ، واستقبله هشام بالشتم والسباب ، بدل التكريم والترحاب!

وفي المقابل لم يسكت زيد عن الجواب ، وإنما أسمع هشاما ما لا يحب أن يسمع ، فلم يتحمل هشام وأمر بطرده ، دون أن يسمع شكواه ، فأخذ الغلمان بيده ليخرجوه ، فأنشد زيد:

شـرده الخــــــوف وأزرى بـه *** كــذا من يكـــــره حـر الجـلاد

قـــد كان في الموت له راحة *** والموت حتم في رقاب العباد

فخرج من مسجد هشام وتوجه إلى الكوفة ، فحدث الناس بظلم الخليفة وعماله ، فبايعه خلق كثير فيهم الأشراف والعلماء ، لأنهم وجدوه أهلا للقيادة ، فهو سيد هاشمي ، وفقيه تقي ، وشجاع باسل.

ولما رأى أعوانا ، نهض ليؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويدفع الظلم والضيم عن نفسه وعن المؤمنين ، فدارت المعركة بينه وبين يوسف الثقفي والي الكوفة وجيشه الجرار ، ولكن أصحاب زيد تركوا زيدا وحده قبل أن يخوض الحرب ويدخل في غمراتها ، ولم يبق معه إلا نفر قليل!!

ورغم ذلك فقد دخل زيد الحرب وجاهد بشجاعة وبسالة هاشمية وهو يرتجز:

أذل الحـــيـاة وعـــز المـــمـــات *** و كـــــلا أراه طـعـــامــا وبـيــلا

فــــإن كـــان لابد مــــن واحــــد *** فسيري إلى الموت سيرا جميلا

فبينما هو يجاهد في سبيل الله ويحارب الأعداء ، إذ وقع سهم في جبهته ، فلما انتزعوا سقط شهيدا.

وكان ذلك في اليوم الثامن من شهر صفر عام 121هـ ، وكان عمره الشريف إثنتين وأربعين سنة ، فرثاه الحسن الكناني بأبيات منها:

فلما تردى بالحمائل وانتهى *** يصول بأطراف القنا الذوابل

تبيـنـت الأعــداء أن سنــانه *** يطيل حنين الأمهات الثواكـل

تبين فيه ميسم العـز والتقى *** وليا يفدي بين أيدي القوابل

فحمله ابنه يحيى بإعانة عدة من أنصاره ، ودفنه في ساقية وردمها ، و أجرى عليه الماء لكي لا يعلم أحد مدفنه ولكن تسرب الخبر إلى يوسف بن عمر ، فأمر بنبش القبر واخراج الجسد الطاهر ، ثم أمر بقطع رأسه الشريف فقطع وبعث به الى الشام ، فلما وصل الرأس الشريف إلى الشام كتب هشام إلى واليه على الكوفة: أن مثل ببدنه واصلبه في كناسة الكوفة.

ففعل والي الكوفة يوسف بن عمر ذلك ، وصلبه في ساحة من سوح الكوفة حقدا وعدوانا ، وراح الشاعر الأموي يفتخر بهذه ويقول في قصيدة جاء فيها:

صلبــــنا لكم زيدا على جذع نخلة *** ولم أر مهديا على الجذع يصلب!

فبقي أكثر من أربع سنوات مصلوبا ، حتى هلك هشام وتولى بعده الوليد بن يزيد ، فكتب إلى عامله بالكوفة: أحرق زيدا بخشبته وأذر.

ففعل وأذرى رماده على شاطئ الفرات!(35).

شهادة يحيى بن زيد

وفعلوا نفس الصنيع بولده يحيى ، فانه قام ضد ظلم بني أمية وجورهم ، والتاريخ يذكره بالتفصيل (36) واستشهد في ميدان القتال ، فقطعوا رأسه وبعثوه إلى الشام وصلبوا جسده الشريف ست سنين ـ وقد بكى عليه المؤالف والمخالف ـ حتى مات الوليد ، ونهض أبو مسلم الخراساني واستولى على تلك البلاد فأمر فأنزل جسد يحيى الشهيد ودفن في جرجان وقبره اليوم مزار يتوافد المؤمنون لزيارته.

بعد هذا الحديث الحزين تأثر كل الحاضرين وتألموا ، وبكى بعضهم على مصائب آل النبي (ص) ، ولعنوا بني أمية الظالمين.

سر وصية الإمام أمير المؤمنين علي (ع)

إن فاجعة قتل زيد وابنه يحيى وصلبهما ، واحدة من آلاف الفجائع التي أحدثتهما أيدي بني أمية ، بعد قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .. فيا ترى ما الذي كان يمنعهم ، إذا سنحت لهم الفرصة ، أن يصنعوا بجسد الإمام علي (ع) الزكي الطاهر ، ما صنعوه بجسد حفيده المظلوم زيد بن الإمام زين العابدين (ع)؟!

فقد جاء في كتاب منتخب التواريخ: أن الحجاج بن يوسف الثقفي نبش حوالي الكوفة آلاف القبور ، يفتش عن جثمان الإمام علي (ع)!!

فلعله لهذا السبب وصى بنيه أن يدفنوه ليلا لا نهارا ، وسرا لا جهارا ، ويعفّوا موضع قبره ويخفوه على الناس ، وكان كذلك حتى عهد هارون الرشيد .

اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين علي (ع)

خرج الرشيد يوما للقنص والصيد إلى وادي النجف في ظهر الكوفة ، وكانت آجام أصبحت أوكارا للحيوانات.

قال عبدالله بن حازم: فلما صرنا الى ناحية الغري ، رأينا ظبية فأرسلنا إليها الصقور والكلاب ، فحاولتها ساعة ثم لجأت الظبية إلى أكمة فاستجارت بها ، وتراجعت الصقور والكلاب ، فتعجب الرشيد من ذلك!

ثم إن الظباء هبطت من الأكمة ، فتعقبتها الصقور والكلاب ، فرجعت الظباء إلى الأكمة ، فتراجعت عنها الصقور والكلاب ففعلت ذلك ثلاثا.

فقال هارون: اركضوا إلى هذه الأنحاء والنواحي فمن لقيتموه ، ائتوني به ، فأتيناه بشيخ من بني أسد.

فقال له هارون: ما هذه الأكمة؟

قال الشيخ إن جعلت لي الأمان أخبرتك!

قال: لك عهد الله وميثاقه أن لا أهيجك ولا أؤذيك.

قال الشيخ : جئت مع أبي إلى هنا فزرنا وصلينا فسألت أبي عن هذا المكان.

فقال: عندما تشرفت بزيارة هذه البقعة مع الإمام جعــفر الصادق (ع) قال: هذا قبر جدنا علي بن أبي طالب (ع) وسيظهره الله تعالى قريبا.

فنزل هارون ودعا بماء فتوضأ وصلى عند الأكمة وتمرغ عليه وجعل يبكي ، وبعده أمر ببناء قبة على القبر! ومنذ ذلك اليوم لم يزل البناء في تطور ، وهو اليوم صرح بديع لا يوصف.

الحافظ: أظن إن قبر مولانا علي بن أبي طالب ، لم يكن في النجف ، ولا في النجف ، ولا في الموضع الذي ينسب إليه ، لأن العلماء اختلفوا فيه ، فمنهم من يقول: دفن في قصر الامارة ، ومن قائل إنه في جامع الكوفة ، وقول إنه في باب كندة ، وقيل إنه دفن في رحبة الكوفة وهناك من يقول: حمل إلى المدينة ودفن في البقيع ، وبالقرب من كابل في أفغانستان أيضا قبرا ينسب إليه!

ويقال: إن جسد مولانا علي (كرم الله وجهه) ، وضع في صندوق وحمل على بعير ساروا به نحو الحجاز ، فاعترضهم عدد من قطاع الطرق ، وظنوا أن فيه أموالا فسرقوه ، ولما فتحو الصندوق وجدوا فيه جثمان علي بن أبي طالب ، فذهبوا به إلى ذلك المكان من أفغانستان ، فدفنوه ، والناس عموما يحترمون ذلك القبر ويزوروه!!

قلت: هذا الخبر مضحك جدا ، فرب مشهور لا أصل له ، وهو للأسطورة أقرب.

وأما الاختلاف في موضع قبر الإمام علي عليه السلام فقد جاء على اثر وصيته بإخفاء قبره الشريف ، وإنما لم أشرح لكم الموضوع بالتفصيل رعاية للوقت.

فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: عن أمير المؤمنين أوصى ابنه الحسن وقال له ما مضمونه: بني إذا دفنتني في النجف ورجعت إلى الكوفة ، فاصنع في أربعة مواضع أربعة قبور:

1ـ مسجد الكوفة.

2ـ الرحبة.

3ـ الغري.

4ـ دار جعدة بن هبيرة.

وإن هذا الاختلاف الذي تذكره ، إنما يكون بين علمائكم ، لأنهم أخذوا كلام هذا وذاك ، ولم يأخذوا بكلام العترة النبوية حتى في تعيين موضع قبر أبيهم ، سيد العترة ، الإمام علي عليه السلام!!

واما إجماع علماء الشيعة فهو على أن قبر الإمام علي عليه السلام في النجف الأشرف ، وفي الموضع النسوب إليه ، وهم أخذوا هذا الخبر الصحيح من أهل بيته “وأهل البيت أدرى بما في البيت” ومن الواضح أن أولاد علي عليه السلام الذين قاموا بدفنه أعلم من غيرهم بموضع قبره ، والعادة في مثل هذه الاختلافات ان يرجعوا إلى الأبناء في تعيين قبر أبيهم ، ولكن قاتل الله العناد!!

وإن العترة الهادية وأئمة أهل البيت عليهم السلام ، اتفقوا وأجمعوا على أن قبر جدهم أمير المؤمنين عليه السلام ، إن هو إلا في النجف وفي الموضع الذي اشتهر به ، وحرضوا المسلمين ليزوروا قبر أبي الحسن علي بن أبى طالب عليه السلام في ذلك الموضع.

ذكر سبط ابن الجوزي في “تذكرة الخواص” ص 163 (37): إختلاف الأقوال في قبر الإمام علي عليه السلام ـ إلى أن قال: والسادس: إنه على النجف في المكان المشهور الذي يزار فيه اليوم ، وهو الظاهر ، وقد استفاض ذلك.

وعلى هذا القول كثير من علمائكم ، كأمثال خطيب خوارزم في المناقب وخطيب بغداد في تاريخه ، ومحمد بن طلحة في “مطالب السؤول” وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، والفيروز الآبادي في القاموس ـ في كلمة النجف ـ وغيرهم.

أبناء إبراهيم المجاب

صار حوارنا مصداقا للمثل: “الكلام يجر الكلام” وأعود الآن لأتحدث عن نسبي :توفي السيد ابراهيم المجاب بن السيد محمد العابد في كربلاء المقدسة ، ودفن عند قبر جده سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ، ومرقده اليوم مزار المؤمنين ، وخلّف ثلاثة أولاد وهم ال: السيد أحمد ، والسيد محمود ، والسيد علي، فهاجروا إلى بلاد إيران ليوجهوا الناس الى الله تعالى ويعلموهم أحكام الدين ويسلكوا بهم سبيل أهل البيت الطاهرين عليهم السلام فأما السيد احمد أقام في منطقة (قصر ابن هبيرة) وبقي فيها مع أولاده وخدموا الدين والمجتمع.

وأما السيدان محمد وعلي ، فقد توجها إلى كرمان.

أما السيد علي فسكن مدينة سيرجان وهي تبعد عن كرمان أكثر من مائة كيلو متر ، واشتغل هو وأولاده وأحفاده بتبليغ الدين وإرشاد المسلمين.

وأما السيد محمد ـ الملقب بالحائري ـ فقد وصل كرمان وبقي فيها ، وخلّف ثلاثة أولاد وهم: أبو علي الحسن ، ومحمد حسين الشيتي ، وأحمد.

أما محمد حسين وأحمد ، فقد رجعا إلى كربلاء وسكنا في جوار جدهم الحسين الشهيد عليه السلام حتى توفيا ، وتوجد إلى يومنا هذا في العراق ، قبائل كبيرة من السادة الشرفاء ينتمون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عن طريقهما ، مثا آل شيته ، وآل فخار وهم من نسل السيد محمد الشيتي.

أما آل نصر الله وآل طعمة ، فهم من نسل السيد احمد ، وهم اليوم سدنة الروضة الحسينية المقدسة في كربلاء.

وأما السيد أبو علي الحسن ، فقد هاجر مع أولاده من كرمان إلى شيراز وكان سكانها آنذاك من العامة ، بل كثير منهم كانوا يبغضون آل الرسول (ص) فدخل المدينة مع أهله وأولاده بأزياء عربية وأقاموا بالقرب من الخندق المحيط بالبلد فأقاموا بيوتا عربية وسكنوا فيها.

واتصلوا بالشيعة الساكنين في محلة (سردزك) وهم قليلون مستضعفون يعيشون في تقية ، فبدأ السيد أبو علي وأولاده بنشر تعاليم آبائهم الطيبين ، وتبليغ مذهبهم الحق ، في خفاء وحذر.

وبعد وفاة السيد أبي علي قام ابنه الأكبر السيد أحمد أبو الطيب بالتبليغ ونشر عقائد الشيعة وتعاليمهم ، واهتم بذلك اهتماما بالغا ، حتى أن كثيرا من أهل شيراز وتشيعوا ، وأخذ عددهم يزداد يوما بعد يوم ، فلما رأى السيد أبو الطيب إقبال الناس عليه ، أعلن نسبه ومذهبه ، فازداد إقبال الناس عليهم والتفافهم حول السادة الكرام ، فنصبوا منبر الارشاد الاسلامي والتوجيه الديني في شيراز باسم السادة المجابية ، وهم المنسوبون إلى السيد ابراهيم المجاب ، والسادة العابدية وهم المنسوبون إلى إخوان السيد المجاب ، فإن أباهم جميعا هو السيد محمد العابد.

فتحرك الخطباء والمبلغون من هؤلاء السادة وسافروا إلى أنحاء إيران لينشروا عقائد العترة الهادية وتعاليمهم باسم ـ المذهب الشيعي ـ فانتشر المذهب الحق في أكثر البلاد الإيرانية ، حتى قامت دولة آل بويه وهم شيعة ، وجاء بعدهم غازان خان محمود ، والسلطان محمد خدابنده ، وهم من المغول ولكن تشيعا وخدما مذهب الشيعة وأتباعه ، ثم قامت الدولة الصفوية وكان عصرهم أفضل العصور للشيعة في إيران ، إذ أعلنوا التشيع هو المذهب الرسمي في إيران ولا يزال كذلك.

هجرتنا الى طهران

في أواخر أيام الملك فتح علي القاجاري ، تشرف جدنا السيد حسن الواعظ الشيرازي ـ طاب ثراه ـ بزيارة مرقد الإمام الرضا علي بن موسى عليه السلام ، وعند رجوعه من خراسان وصل طهران العاصمة فاستقبله أهلها والعلماء ، وتوافدوا إلى منزله يزورونه ويرحبون بقدومه ، وجاء وفد من قبل جلالة الملك وبلغوه تحية جلالته ورغبته في أن يجعل السيد محل إقامته في العاصمة ، فلبى جدنا دعوة الملك وأجابوه بالقبول.

وكانت المساجد آنذاك في طهران ، تختص بصلوات الجماعة وبيان المسائل الشرعية ، ولم تنعقد فيها مجالس الخطابة ـ المتداولة في زماننا ـ وكانت التكايا والحينيات تختص بعرض التمثيليات عن وقائع عاشوراء الدامية واقامة العزاء والشعائر الحسينية.

وكانت “تكية الدولة” من أهم التكايا والحسينيات ، فطلب جدنا من الملك أن ينصب منبرا للخطابة والتبليغ والإرشاد ـ على النحو المتعارف في زماننا ـ في كل حسينية وتكية.

فأيد الملك ذلك وبدأ بتكية الدولة ، ودعا فضيلته ليخطب ويفيد الناس فصعد جدنا المنبر في تكية الدولة فوعظ وبلغ وأرشد الناس إلى حقائق الدين وتعاليم المذهب ، وبعد ذلك رثى سيد الشهداء الحسين عليه السلام وأبكى الحاضرين.

فاستقبل الناس طريقته بحضورهم المتكاثف ، واستمر مجلسه ليالي كثيرة في ذلك المكان ، وبعده دعي على تكية أخرى ، وهكذا كان جدنا مؤسس مجالس الوعظ والخطابة ، وأول من وضع منبر التوجيه الديني والارشاد المذهبي في طهران.

ثم لما رأى جدنا السيد حسن الواعظ ، استقبال الناس لمجالسه وحديثه ، أرسل كتابا إلى والده السيد اسماعيل ، أحد مجتهدي شيراز ، وطلب منه أن يبعث بعض أولاده إلى طهران ، وكان له أربعون ولدا فانتخب منهم:

1ـ السيد رضا ، وكان فقيها مجتهدا.

2 ـ السيد جعفر.

3 ـ السيد عباس.

4 ـ السيد جواد.

5 ـ السيد مهدي.

6 ـ السيد مسلم.

7 ـ السيد كاظم.

8 ـ السيد فتح الله.

وأمرهم ان يهاجروا الى طهران ليعينوا أخاهم السيد حسن في إدارة مجلس الوعظ والإرشاد ، ويطيعوه لنه كان أكبرهم وأفضلهم.

فأقام هؤلاء السادة في طهران واشتهروا فيها وفي المدن المجاورة لها، بحسن أخلاقهم وإيمانهم وبعذوبة بيانهم وحلاوة كلامهم.

فطلب أهالي قزوين من السيد احسن أن يبعث إليهم بعض إخوته ، ليقيموا هناك ليرشدوهم ويعلموهم الدين.

فبعث إليهم السيد مهدي والسيد مسلم والسيد كاظم ، فسكنوا قزوين وقاموا فيها بأمر التبليغ والتوجيه الديني ، وخلفوا أولادا يعرفون بالسادة المجابية ، وعددهم اليوم كثير في قزوين.

وأما السيد حسن مع بقية اخوانه فقد سكنوا طهران وعقدوا فيها مجالس كثيرة للتوجيه والإرشاد ، فخدموا الدين وأهله خدمة جليلة عن طريق المحراب والمنبر .

وبعد أن توفي جدنا السيد حسن ـ قدس سره ـ سنة 1291 هـ ، تعينت نقابة السادة المجابية والعابدية في ولده الأكبر ، السيد قاسم ، بحر العلوم ، وهو والد والدي ، وكان عدد رجال هذا البيت الشريف يبلغ ألفا آنذاك ، وكانت مؤهلات وشرائط الرئاسة مجتمعة في السيد قاسم ، من الزهد والورع والعلم والحلم وحسن الخلق ، فكان يحوي العلوم العقلية والنقلية ، وعلم الأصول والفروع ، واشتهر في زمانه بالعلم وحسن التدبير والإدارة .

وتوفي سنة 1308هـ ونقل جثمانه إلى العراق ، وشيع في مدينة كربلاء المقدسة بكل عز واحترام ، ودفن عند مرقد جده الإمام الشهيد الحسين بن علي عليه السلام ، بجنب قبر والده السيد حسن الواعظ ـ طاب ثراه ـ وبعده انتقلت نقابة السادة العابدية والمجابية ، إلى والدي ، وهو اليوم من حماة الشيعة وأنصار الشريعة ، وحيد عصره ، وفريد دهره ، السيد علي أكبر ، دامت بركاته.

وقد نال من الملك ناصر الدين شاه القاجاري ، لقب “اشرف الواعظين” ويبلغ عمره اليوم ثمانين سنة ، صرف جله في خدمة الدين وإثبات أصوله ونشر فروعه ، وقد قام بتوجيه الغافلين وإرشاد الجاهلين ، وخاصة في الآونة الأخيرة ، إذ مرت بالأمة عواصف إلحادية وحوادث خطيرة جاءت من قبل الأجانب المستعمرين وأعداء الإسلام والمسلمين ، فجرفت الكثير من العوام والجاهلين ، فنهض والدي وأمثاله من العلماء الكرام ، ووقفوا في وجوه الأعداء اللئام ، حتى كشفوا عن الحق اللئام ، وشقوا أمواج الفتن والظلام ، بنور العلم وضوء الكلام.

فدحضوا الباطل ، وأنقذوا العوام من الشكوك والأوهام ، فقدر مواقف والدي وخدماته ، علماء عصره ومراجع الدين في زمانه ، أمثال:

1ـ آية الله العظمى ، مجدد مذهب سيد البشر في القرن الثالث عشر ، السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي ـ طاب ثراه.

2ـ آية الله العظمى ميرزا حبيب الله الرشتي.

3ـ الآية العظمى الشيخ زين العابدين المازندراني.

4ـ آية الله ميرزا حسين بن ميرزا خليل الطهراني.

5ـ المجتهد الأكبر آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.

6ـ آية الله العظمى الشيخ فتح الله ، شيخ الشريعة الأصفهاني.

7ـ آية الله العظمى السيد اسماعيل الصدر.

8ـ آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي ، قائد ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق.

فهؤلاء المجتهدون الكرام والعلماء الأعلام ـ قدس الله أسرارهم ـ كانوا يحترمون والدي كثيرا ويحبونه ويكرمونه غاية الإكرام والاحترام.

وأما في هذا الزمان ، فإن زعيم الشيعة سيد الفقهاء والمجتهدين ، وحيد دهره ، ونابغة عصره ، سماحة السيد أبو الحسن الأصفهاني متع الله المسلمين بطول بقائه ، وهو الآن في النجف الأشرف يرفع لواء الدين وراية أمير المؤمنين عليه السلام ، ويهتم بنشر علوم سيد المرسلين (ص) في كل أقطار العالم ، وقد دخل بواسطته جماعات كثيرة من أصحاب الملل والنحل في الإسلام واعتنقوا مذهب التشيع.

وفي إيران ، زعيمنا آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مد ظله العالي ، مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة ، وهو ملاذ الشيعة ، وحامي الشريعة في إيران.

وإن هذين العالمين الكبيرين يحترمان والدي ويكرمانه كثيرا ، ويقدران جهوده الجبارة في سبيل إحياء الدين ورد شبهات المضلين.

وان سماحة الشيخ الحائري يخاطب والدي بـ “سيف الإسلام” لأن بيانه وكلامه مفعم بالأدلة العقلية القاطعة ، والبراهين الساطعة ، فلسانه في الدفاع عن الدين الحنيف ، والذب عن مذهب التشيع الشريف ، أكثر أثرا من السيف.

واليوم بنو أعمامي ورجال شجرتنا المباركة موجودون في أكثر مدن ايران ، وبالأخص في طهران ونواحيها ، وشيراز وحواليها ، وقزوين وضواحيها ، وهم يعرفون بالسادة العابدية والمجابية والشيرازية ، ولم يزالوا يخدمون الدين وأهله ، بسلوكهم النزيه ، وبالارشاد والتوجيه.

هذا ملخص تاريخ هذه السلالة الكريمة ، في جواب سؤالكم: لماذا هاجرنا إلى إيران؟ وقد تبين لكم من خلال الجواب أن هدف المهاجرين الأولين من هذه السلالة ، زيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ولما منعتهم السلطات ، قاموا يفضحون أعمال الحكام والولاة ، ويعلنون جور الخلفاء الجفاة ، وينشرون الوعي بين الأمة ، ويوجهون الناس الى الحقائق الدينية والأحكام الالهية التي طالما سعى الخلفاء وأعوانهم في تغييرها ، فكانوا كما قال تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا إلا الله وكفى بالله حسيبا) (38).

لما تلونا هذه الآية الكريمة ، نظر السيد عبد الحي الى ساعته فقال: لقد مضى كثير من الليل ، فلو تسمحون أن نؤجل الكلام الى الليلة الآتية ، فنأتيكم إن شاء الله تعالى من أول الليل ونواصل الحديث.

فابتسمت وأبديت موافقتي ، فانصرفوا وشيعتهم إلى باب الدار.

 التحقيق

(1) سورة الأعراف ، الآية 43 .

(2) كان البيت واسعا بحيث يسع الكثير من الناس ، وكان صاحبه قد استعدّ لاستضافة الوافدين ، ولذا كان المجلس ينعقد في كل ليلة وباستمرار في ذلك المكان ، وكان صاحب البيت أيضا يقوم بواجبه تجاه الضيوف من: حسن الضيافة ، وتكريم الحاضرين ، والترحيب بقدومهم ، وتقديم الشاي والفواكه والحلوى لهم ، وذلك على أحسن وجه .

وقزل باش يعني: أحمر الرأس ، ولقب “حمر الرؤوس” كان يطلق على فوج خاص من جيش نادر شاه ، سكنوا أفغانستان لما فتحها نادرشاه ، ولما ضاقت الأمور على الشيعة هناك هاجروا إلى الهند وانتشروا فيها ، وهم من الشيعة الأقوياء في تشيعهم حتى اليوم .

(3) الحافظ يطلق على من حفظ القرآن وحفظ سنة رسول الله (ص) من علماء العامة ، أو الخاصة ، أو على من حفظ مئة ألف حديث متنا وسندا .

(4) هذه الكلمة من أهم الألقاب التي يخاطب بها المسلمون في الهند وباكستان ، علماء دينهم ومشايخهم ، وتعني عندهم :الإمام المقتدى” لذلك كانت الصحف التي تنشر تلك المناظرات تعبر عن السيد “سلطان الواعظين” بلقب: “قبله صاحب” (المترجم)

(5) سورة المائدة ، الآية 103 .

(6) سورة البقرة ، الآية 170 .

(7) سورة القلم ، الآية 4 .

(8) سورة النحل ، الآية 125 .

(9) عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 84 ح9 .

(10) الاحتجاج ج2 المناظرة رقم 271 ص335 .

(11) سورة الأنعام ، الآية 38 .

(12) سورة الأنعام ، الآية 84 و85 .

(13) سورة آل عمران ، الآية 61 .

(14) لكن ما زال الإمام موسى بن جعفرعليه السلام بعيدا عن حرم جده رسول الله (ص) مفارقا لأهله وعياله ، ينقل من سجن إلى سجن ، مكبّلا بالقيد والحديد وفي ظلم المطامير حتى قضى بدسّ هارون السمّ إليه مسموما شهيدا صلوات الله وسلامه عليه (المترجم).

(15) التفسير الكبير للامام الفخر الرازي: المجلد السابع ج 13 ، ص66 .

(16) المروي في كتاب الاحتجاج: ج2ص175 المناظرة 204 ان الإمام الباقر عليه السلام استدل بهذه الآية في حديثه مع أبي الجارود ، فراجع .

(17)  ينابيع المودة: الباب 54 ص193 ، وفيه: عن الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: “ان الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا“.

(18) كفاية الطالب: ص 379 .

(19) في سورة الانعام الآيتين 84 – 85.

(20) كفاية الطالب: ص 381 .

(21) كفاية الطالب: ص 380 .

(22) ينابيع المودة: الباب 57 ص318 .

(23) من الحديث 29 ص 28 إلى الحديث 34 ص32 .

(24) كفاية الطالب: الباب السابع ، ص 79 .

(25) الكشاف:ج1 ص368 .

(26) حول آية المباهلة والحسنين عليهما السلام: لقد أجمع المفسرون على أن أبناءنا في آية المباهلة إشارة إلى الحسن والحسين عليهما السلام وأن رسول الله (ص) أخرجهما معه يوم المباهلة مجيبا أمر الله عز وجل ، وقد أجمع عليه المحدثون والمؤرخون من المسلمين .

المصادر

1ـ الحافظ مسلم بن الحجاج ، في صحيحه ، ج7 ص120 ط. محمد علي صبيح ـ مصر .

2ـ الامام أحمد بن حنبل ، في مسنده ج1 ص185 ، ط. مصر .

3ـ العلامة الطبري ، في تفسيره ج3 ص192 ، ط. الميمنية ، مصر.

4ـ العلامة أبو بكر الجصاص ـ المتوفي سنة 270 هـ ـ في كتاب (أحكام القرآن) ج2 ص16 ، قال فيه: إن رواة السير ونقله الاثر لم يختلفوا في أن النبي (ص) قال فيه: إن رواة السير ونقلة الاثر لم يختلفوا في أن النبي (ص) أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة رضي الله عنهم ودعا النصارى الذين حاجوه الى المباهلة .. الى آخره .

5ـ الحاكم في المستدرك ج3 ص150، ط. حيدر آباد الدكن .

6ـ العلامة الثعلبي، في تفسيره في ذيل آية المباهلة .

7ـ الحافظ أبو نعيم، في كتاب (دلائل النبوة) ص 279 ،ط. حيدر آباد.

8ـ العلامة الواحدي النيسابوري، في كتاب (أسباب النزول) ص 74، ط. مصر .

9ـ العلامة ابن المغازلي في كتابه مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام .

10ـ العلامة البغوي، في كتابه (معالم التنزيل) ج1 ص302.

وفي كتابه (مصابيح السنة) ج2 ص204 ط. المطبعة الخيرية .

11ـ العلامة الزمخشري، في تفسير (الكشاف) ج1 ص193، ط. مصطفى محمد .

12ـ العلامة أبو بكر ابن العربي، في كتاب (أحكام القرآن) ج1 ص115، ط. مطبعة السعادة بمصر .

13ـ العلامة الفخر الرازي، في (التفسير الكبير) ج8ص85،ط.البهية بمصر .

14ـ العلامة المبارك ابن الاثير، في جامع الأصول ج9 ص 470، ط. المطبعة المحمدية بمصر .

15ـ الحافظ شمس الدين الذهبي، في تلخيصه المطبوع في ذيل مستدرك الحاكم، ج2ص 150،ط. حيدر آباد .

16ـ الشيخ محمد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول) .

17ـ العلامة الجزري في كتاب (أسد الغابة) ج4ص25 ط. الأول بمصر .

18ـ العلامة سبط ابن الجوزي في (التذكرة) ص17، ط. النجف.

19ـ العلامة القرطبي، في كتاب (الجامع لأحكام القرآن) ج3ص104،ط.مصر سنة 1936.

20ـ العلامة البيضاوي، في تفسيره ج2 ص22، ط. مصطفى محمد بمصر .

21ـ العلامة محب الدين الطبري، في (ذخائر العقبى) ص25، ط. مصر سنة 1356 .

وفي كتابه الآخر (الرياض النضرة) ص188، ط. الخانجي بمصر .

22ـ العلامة النسفي، في تفسيره، ج1 ص 136، ط. عيسى الحلبي بمصر .

23ـ العلامة المهايمي، في : (تبصير الرحمن وتيسير المنان) ج1 ص182 ،ط. مطبعة بولاق بمصر .

24ـ الخطيب الشيربيني، في تفسيره (السراج المنير) ج1 ص182، ط. مصر .

25ـ العلامة النيسابوري، في تفسيره ج3 ص206، بهامش تفسير الطبري، ط. الميمنية بمصر .

26ـ العلامة الخازن، في تفسيره، ج1 ص302، ط.مصر .

27ـ العلامة أبو حيان الأندلسي، في كتابه (البحر المحيط) ج2ص479،ط. مطبعة السعادة بمصر .

28ـ الحافظ أبو الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي، في تفسيره، ج1 ص270 ط. مصطفى محمد بمصر .

وفي كتابه (البداية والنهاية) ج5ص52 ،ط. مصر .

29ـ أحمد بن حجر العسقلاني، في (الاصابة) ج2 ص503 ،ط. مصطفى محمد بمصر .

30ـ العلامة معين الدين الكاشفي، في كتاب (معارج النبوة) ج1 ص315 ،ط. لكنهو .

31ـ ابن الصباغ المالكي، في (الفصول المهمة) ص108 ط. النجف .

32ـ جلال الدين السيوطي، في (الدر المنثور) ج4 ص38 ،ط. مصر .

33ـ ابن حجر الهيتمي، في كتابه (الصواعق المحرقة) ص199 ،ط. المحمدية بمصر .

34ـ أبو السعود أفندي، شيخ الاسلام في الدولة العثمانية، في تفسيره ج2ص143 ط. مصر، المطبوع بهامش تفسير الرازي .

35ـ العلامة الحلبي، في كتابه (السيرة المحمدية) ج3ص35،ط.مصر .

36ـ العلامة الشاه عبد الحق الدهلوي، في كتاب (مدارج النبوة) ص500 ط. بومبي .

37ـ العلامة الشبراوي، في كتاب (الاتحاف بحب الأشراف) ص5، ط. مصطفى الحلبي .

38ـ العلامة الشوكاني، في كتاب (فتح القدير) ج1 ص316، طبع مصطفى الحلبي بمصر .

39ـ العلامة الآلوسي، في تفسيره (روح المعاني) ج3 ص167 ،ط. المنيرية بمصر .

40ـ العلامة الطنطاوي، في تفسيره (الجواهر) ج2 ص 120 ،ط. مصطفى الحلبي بمصر .

41ـ السيد أبو بكر الحضرمي، في كتاب (رشفة الصادي) ص35 ،ط. الاعلامية بمصر .

42ـ الشيخ محمود الحجازي، في تفسير (الواضح) ج3 ص58 ،ط. مصر .

43ـ العلامة صديق حسن خان، في كتاب (حسن الاسوة) ص32، ط. الجوانب بالقسطنطية .

44ـ العلامة أحمد زيني دحلان، في (السيرة النبوية) المطبوعة بهامش (السيرة الحلبية) ج3ص4 ،ط. مصر .

45ـ السيد محمد رشيد رضا، في تفسير (المنار) ج3 ص321 ،ط. مصر .

46ـ العلامة محمد بن يوسف الكنجي، في كتابه (كفاية الطالب) الباب الثاني والثلاثين .

47ـ الحافظ سليمان الحنفي، في كتابه (ينابيع المودة) ج1 باب الآيات الواردة في فضائل أهل البيت، الآية التاسعة .(المترجم)

(27) يقصد بالثمان : ركعات الظهر والعصر، وبالسبع : ركعات المغرب والعشاء، في الحضر (المترجم).

(28) سورة يونس، الآية 36 .

(29) سورة آل عمران، الآية 103 .

(30) سورة البقرة، الآية 285 .

(31) سورة الأنعام، الآية 112 و113 .

(32) سورة المائدة، الآية 91 .

(33) جاء في كتاب (عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي) للامام الحافظ ابن العربي المالكي : ج1 باب (ما جاء في الجمع بين الصلاتين) .

قال علماؤنا : الجمع بين الصلانين في المطر والمرض رخصة . وقال أبو حنيفة : بدعة وباب من أبواب الكبائر .

ثم يبدي الشارح رأيه فيقول : بل الجمع سنة . (المترجم)

(34) واما دليلنا على جواز الجمع بين الصلاتين من القرآن الكريم قوله تعالى : (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا) سورة الاسراء الآية 78 .

فالمواقيت التي بينها الله تعالى للصلوات اليومية في هذه الآية المباركة، ثلاثة: 1ـ دلوك الشمس وهو الزوال، 2ـ غسق الليل، 3ـ الفجر .

وقال تعالى (أقم الصلاة طرفي النهار، وزلفا من الليل) سورة هود، الآية 114 .

فالطرف الأول ـ من طرفي النهار ـ هو : من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والطرف الثاني هو : من زوال الشمس على غروبها، وزلفا من الليل أي : أول الليل وهو وقت زوال الحمرة بعد غروب الشمس (المترجم).

(35) وأما الرأس الشريف فقد بعثه هشام من الشام إلى المدينة ونصب عند قبر النبي (ص)، وكان العامل عليها : محمد بن إبراهيم المخزومي .

فطلب منه الناس أن ينزل الرأس الشريف فأبى فضجت المدينة بالبكاء .

وكان الوالي يجمع أنصاره وهم السفلة والأرذال، ويأمرهم بسب علي وبنيه وشيعته، وبقي على ذلك سبعة أيام !!

ثم سير الرأس الشريف إلى مصر، فنصب بالجامع، فسرقه أهل مصر ودفنوه بالقرب من جامع ابن طولون.

ويعتقد بعض المحققين أن المسجد المعروف اليوم بمسجد رأس الحسين (ع) بالقاهرة هو مدفن رأس حفيده : ” زيد بن علي بن الحسين (ع) ” وكانت كنيته : أبو الحسين . ” المترجم

(36) خرج يحيى من الكوفة ليلا بعد استشهاد أبيه ودفنه؛وقد وكل الحاكم حريث الكلبي بتعقبه والقبض عليه،ولكن لم يتمكن منه،فوصل يحيى الى الري ومنها خرج الى خرسان.فنزل في “سرخس” عند يزيد بن عمرو التميمي وبقي ستة اشهر ثم خرج إلى بلخ ونزل عند حريش بن عبدالرحمن الشيباني ،وبقي عنده حتى هلك هشام وتولى بعده الوليد بن يزيد،وكتب يوسف بن عمر عامل الكوفة إلى نصر بن سيار عامل خراسان: بأني استخبرت أن يحيى بن زيد أقام في بلخ عند حريش بن عبد الرحمن الشيباني، فابعث اليه حتى يسلمك يحيى، فكتب نصر لعامل بلخ خذ حريش ولا تطلقه حتى يسلمك يحيى بن زيد .

فألقى غامل بلخ القبض على حريش وطلب من ضيفه يحيى، فأبى حريش تسلمه فأمر العامل بتعذيب حريش، فضربوه ستمائة جلدة، وهو يأبى من تسليمه يحيى .

وكان لحريش ولد يسمى قريشا، لما رأى ما نزل بأبيه من الضرب والتعذيب، قام مع جماعة من أصحابه يفتش عن يحيى، فلقيه في دار مع يزيد بن عمرو وهو صاحبه من الكوفة، فجاؤا بهما إلى عامل بلخ وسلمهما هو إلى نصر بن سيار فسجنهما، وكتب إلى يوسف بن عمر بالكوفة يخبره بذلك، وكتب يوسف بالخبر الى الوليد ابن يزيد بالشام، فـمره الوليد أن يطلق يحيى وصاحبه من السجن، وكتب يوسف ابن عمر الثقفي إلى نصر يخبره برأي الخليفة .

فطلب نصر بن سيار، يحيى بن زيد الشهيد وحذره من الخروج ثم أعطاه عشر آلاف درهم وبغلتين، له ولصاحبه، وأمرهما أن يلتحقا بالوليد بن يزيد بالشام .

ولكن يحيى توجه مع صاحبه إلى سرخس ومنها إلى أبرشهر فطلبه عمرو بن زرارة والي أبرشهر وأعطاه ألف درهم نفقة الطريق وأخرجه إلى بيهق .

فلما وصل إلى بيهق التف حوله جماعة وعاهده سبعون رجلا على أن يقاتلوا معه من قاتل .

فاشترى لهم يحيى خيلا وسلاحا وخرج على عمروا بن زرارة، فكتب عمرو إلى نصر يخبره بذلك، وكتب نصر إلى عبدالله بن قيس عامل سرخس، وإلى حسن ابن يزيد عامل طوس، يأمرهم أن يلتحقا مع جنودهما بعمروا بن زرارة عامله على أبر شهر، ويقاتلا تحت لوائه .

فوصلا إلى أبر شهر ومعهما عشرة آلاف مقاتل، وفور وصولهم هجموا على يحيى وأصحابه، وثبت يحيى مع قلة جنده، ثبات الأبطال وأبدوا شجاعة وباسلة قل مثلها في التاريخ، فنشبت حرب عالمية ودارت معركة دامية حتى قتل عمرو بن زرارة وانهزم جيشه، وتركوا غنائم كثيرة ليحيى وأصحابه، فقويت شوكته وكثرت عدته، توجه إلى هراة ومنها إلى جوزجان في بلاد خراسان .

وأما نصر بن سيار فقد بعث سالم بن أحور مع ثمانية آلاف فارس شامي وغير شامي، لقتال يحيى بن زيد .

فالتقى الجيشان في قرية “أرغوى” ودارت بينهما معركة ضارية، دامت ثلاثة أيام بلياليها، وقتل جمع كثير من الفريقين، وبينما كان يحيى يخوض غمار الحرب ويجاهد الأعداء إذ جاءه سهم وقع في جبهته، ومضى شهيدا كأبيه زيد المظلوم (ع).

فقطعوا رأسه الشريف وبعثوه إلى نصر بن سيار عامل خراسان، وبعث هو به إلى الوليد بن يزيد في الشام وكان ذلك في سنة 125هـ.

وصلبوا جثمانه على بوابة جوزجان وبقي مصلوبا إلى أن قام أبو مسلم الخرساني ضد بني أمية وقوض دولتهم، فأمر أن ينزلو جسد يحيى ويدفنوه .

وأمر كذلك بأن يسموا كل من يولد ذلك العام في خرسان باسم يحيى، ويوجد هذا اليوم قبران باسمه الشريف، تقصدهما الوفود والزائرون، ويتوسلون به الى الله تعالى في قضاء حوائجهم .

أحدهما في مدينة ” كنيد كاووس ” وهي تبعد عن جرجان ثلاثين كيلو متر.

وآخر في جوزجان في قرية تسمى : ” ميامي ” وهي تبعد عن مدينة مشهد الامام الرضا (ع) قرابة كيلو متر . “المترجم

(37) تذكرة الخواص، الباب السابع : في وفاته، ص 163.

(38) سورة الاحزاب، الآية 39.

شاهد أيضاً

السيد الطاهر الهاشمي

الطاهر الهاشمي: الفكر يواجه بالفكر .. ولن ننجرف إلى فخ الوهابية

  علق السيد الطاهر الهاشمي عضو المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام؛ على المواقف التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co