الخميس , 17 أغسطس 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

أنور ساطع أصفري يكتب: أولويات العمل السياسي

قال فولتير “إيهٍ أيتها الحرية كم من الجرائم تُرتكب بإسمكِ“.

نعم الحرية هي مطلباً أساسياً للعمل السياسي ، ولكن هكذا حرية يجب أن تتم في مجتمع معافى وسليم.

أمّا المجتمع المريض المشوّه فلا تنفع معه هكذا حرية ، حيث لا بُدّ من إدخال المجتمع المريض إلى صالة العناية المشددة والإنعاش ، لعله يصحو ويتعافى ، ومن ثم تُتتخذ معه إجراءات السلامة العامة.

فالعمل السياسي يجب أن يُلامس الواقع المُعاش.

الجميع يعلم أن المفهوم المتعارف عليه للعمل السياسي أنه فن الممكن ، والسعي العملي لتجسيد الأهداف من خلال واقعٍ مليء بالتحديات.

فالسياسة هي فن إبتكار البدائل والخيارات المتعددة والممكنة ، وبنفس الوقت نقول أن العمل السياسي ليس خطاباً أو تمنيات حالمة ، وليس عملاً بلا روح أو أرضيّة ، خاصة إذا كان القائمون عليه ملتزمون بالتمسك بوشاح أخلاقي إنساني نبيل.

نحن في التجمع القومي الديمقراطي الموحد في سورية ملتزمون بأهدافنا السياسية من خلال قيم العدل والسلام والحرية.

ولكن وبشكلٍ أساسي من يُحدد أولويات العمل السياسي هو الشارع السياسي في أي وطن ، وهنا تكمن أو تتبدى الحقائق في مدى تلبية المطالب المحقة لمن أوصل هذا الكادر أو سواه إلى السلطة ، أو أنهم سيتنكّرون لهم ولمطالبهم.

أولويات العمل السياسي تخضع إلى مفهوم المصداقية والأفضلية في التعبير عن تطلعات الناس لما هو أفضل.

وأول ما يخطر على بالنا ونحن نتحدث عن موضوع أولويات العمل السياسي هو الفساد” الذي يعود تاريخه إلى سنواتٍ طوال ، والذي إستشرى في كل فصائل ومفاصل الدولة والمجتمع ، حيث لم يعد الفساد حالة فردية محددة ، بل إستشرى في كل مكان ، حتى في أهم مفاصل الدولة مثل قطاعات التربية والقضاء والصحة والدين والإعلام والثقافة ، بحيث أصبح الفساد منهجاً يومياً شائعاً وملازماً لحياة المواطن ، والأخطر من ذلك أن الفساد أصبح ملازماً للخطاب الديني عند تجّار الدين ، وهذا شيء خطير جداً ويهدد الدولة والمجتمع.

وبهذه الحالة لا يمكن ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن يتم حسم ذاكَ الفساد في سقفٍ محدود من الإجراءات.

فالفساد بات الظاهرة الأقسى التي تلوّث حياة الإنسان كفرد ، والمجتمع والدولة ، والأمر ليس متعلقاً فيمن يسرق مبلغاً من المال ، بل الأمر أصبح سلوك وممارسة عند كل الناس وكأنه هو الشكل الطبيعي لإستمرار حياة المجتمع والدولة.

فالعمل السياسي ليس بحاجةٍ أو ليس من مهامه تعريف الناس بواقعهم وويلاتهم التي يحييونها ويعانون منها ، لكن العمل السياسي يجب عليه أن ينقذ المجتمع والدولة من الإحباط واليأس الذي يواجههم في مسيرتهم لإنقاذ الوطن من ذلك الوباء الخطير الذي يُسمى ” الفساد ” المتفشي في كل أركان الدولة ومجتمعها.

فالبشر وكل مواطن يعرف الفاسد والمجرم لكنهم لا يدركون كيفية الخلاص منهم ، لذلك لا بد من تقوية ودعم كل التيارات الديمقراطية الوطنية النبيلة ، وكسب ثقة المواطن وولائه ، كي يكون سلاحهم الأقوى في المواجهة من خلال العقل السياسي ، وبدء عملية الصراع ضد ذلك الحيوان المفترس الذي ينهش في جسد الكيان الوطني والإنساني.

نعم ليس هناك أقوى من الإنسان عندما يتوحّد بفكر سياسي نيّر ، وعندما يؤمن بقدراته ويثق بنفسه وبإرادته ، وبهكذا حال سيستطيع أداء الفعل الأقوى والتأثير الأشمل ، وسيجتذب الآخرين ، ويمضي في وحدةٍ إنسانية جماهيرية واسعة ، فليس أقوى من الشعب فيما إذا وجد قيادة رشيدة وبرنامج عمل صائب.

النيّات وحدها لا تكفي بكل تأكيد ، القضية تكمن في وسائل الوصول والتواصل مع الجمهور المدني الديمقراطي ومع المسيرة الصحيّة والصحيحة ، وفي هذه الحالة لا بد من إزالة حاجز الإرهاب الموجّه ضد الناس من قبل الآخر ، أيّاً كان ذلك الآخر ، حيث أن حاجز الخوف والرعب من الآخر يجعل الإنسان أسيراً في حركاته وتصرفاته وبشكلٍ لا إرادي.

فلا بد من إخراج الناس من حالة الإنقسام السياسي ، أو بشكلٍ أوسع من الإقصاء السياسي ، كي يكون المجتمع منفتحاً على نفسه ويستطيع من خلال الحيّز الواسع المتاح أمامه أن يختار الأفضل لمجتمعه ولدولته.

نعم النضال السياسي محمود ، لكن يجب أن يتم من خلال التحالفات التي تنظر إلى الأمور بكل واقعية تعترف بالميدان وبأولويات الجمهور.

فأمر خطير جداً حينما يكون الجمهور أضعف ما يكون في مواجهة تيار فاسد يستغل جهل وصمت الناس لإفتقادهم القيادة الحكيمة والرشيدة ، وبالتالي يواصل الآخرون الإستمرار في مسيرتهم من خلال سلطتهم الفاسدة ، ويستمرون في التنكر لحقوق المواطن ومصادرتها.

يقول الآخرون وهم مستسلمون لأمر الواقع “لا يغيّر الله ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم” ونحن نقول ليتصالح كلّ منا مع نفسه وطنياً وليمنحها الثقة والإرادة ضد عمليات غسيل الأدمغة والتضليل والتبرير ، بهدف بناء الذات بشكلٍ موضوعي بمنطق العقل العلمي والسياسي الإنساني.

وهنا يكمن الرفض المطلق لكل أسباب الجهل وأمراضه ، ولكل عمليات الإقصاء والظلامية والتخلف.

لا بد من مراجعة الذات الآن قبل الغد ، ولتكن البوصلة السياسية التي نعتمد عليها موجهة نحو إصلاح الذات ، وإصلاح بيئتنا ومسارنا ، فنحن جميعاً وكل مواطن يستحق الحياة الإنسانية الحرة الكريمة ، وكل مواطن يرفض الإستمرار في البقاء أسيراً للتضليل والسير وراء من وضعه في حظيرةٍ جاعلاً منه ومن كل المواطنين الآخرين غنائماً يستبيح فيها ومنها كل أمر وكل شيء.

فأهم أولويات العمل السياسي هو الإنسان وحقوقه وحرياته وكرامته ، والموضوعية ومنطق العقل في الحوار ، آخذين بعين الإعتبار أن الفساد المتفشي في كل مفاصل الدولة والمجتمع هو الذي يعيق أي خطوةٍ في المسار السليم القويم لإنقاذ الوطن والإنسان.

شاهد أيضاً

الشيخ عبد الحق الركابي يكتب: زيارة القائد السيد مقتدى الصدر للسعودية

  قالوا الصدر تابع للسعودية !!!!! الرد بمجموعة رسائل : الرسالة الاولى :- رسالة للاحبة: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co